{فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً} [البقرة: 196] ؛ يعني: إن عارض لأحدكم مرض في الإرادة أو ضعف في الطلب {أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ} [البقرة: 196] ؛ يعني: إذ يعله وتعتريه مانعات من إكماله من غير فترة من نفسه، فلم يجد بدا من الإقامة بفناء الرخص والنزول بساحة تأويلات العلم، فليجتهد أن لا ينصرف خطوة من الطريق ولا يعرض لمحة عن هذا الفريق، فإنه قال بعضهم: من أقبل على الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله، بل يلازم عتبة الفقر، وليطلب الفرج بالصبر، ويتدارك الأمر بما أشار إليه بقوله تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ} [البقرة: 196] ؛ أي: الإمساك عن المشارب، {أَوْ صَدَقَةٍ} [البقرة: 196] ؛ أي: بالخروج عن المعلوم، والتقرب بما أمكنه من التضرع والابتهال والتطوف على الأولياء وخدمة الفقراء، {أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] ؛ أو بذبح النفس في مقامات الشدائد، والصبر على البلاء، وبذل المجهود في طلب المقصود.
{فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196] ؛ يعني إذا زال الحصر وأشرق بنور الجبار هواء الزمان وقضاء العصر أقبل الجد الصاعد، والزمان المساعد، وتجدد عهد الطلب، وانقطع كلفة التعب، فليستأنف للوصلة وقتاً، وليفرش للقربة بساطاً وليتجدد للقيام بحق السرور نشاطاً، ولتقبل هي على البهجة، فقد مضت أيام المحنة، وليكمل الحج والعمرة، وليستدم القيام بحق الصحبة والخدمة، {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] ، فموجب الهدي لمعنيين.
أحدهما: الاستدراك ما فاته في أيام الفترة والوقفة، والاستغفار عنها، والثاني: الاستدراج ما استقبله من العواطف وشكرها، والهدي هو أن يهدي بأعز شيء من أمواله واجهاً إليه، ويصرفه عن أصحابه وإخوانه في الدين وأعوانه في الطلب، وينفقه على أرباب الهمم العلية من الفقراء الصادقين والأغنياء المتقين.