عن فيض الأنوار الربانية وأيضاً {لاَ يَعْقِلُونَ} لأنهم {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} .
ثم أخبر أن أكل الطيبات يورث الشكر والعبادات بقوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172] ، والإشارة فيها أن من فضل الله وكرمه مع المؤمنين أمرهم بأكل الطيبات كما أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لفائدتين أحدهما: أن يكون أكلهم بالأمر لا بالطبع فيمتازون عن الحيوانات ويخرجون عن حجاب ظلمة الطبع بنور الشرع، والثانية: ليثبتهم بإتمار أمر الأكل كما ثبتهم بإتمار أمر الصلاة والزكاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتى اللقمة يضعها في فيه أو فِيَّ امرأته"قوله تعالى: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172] ، فالحلال ما لا يتبعه عليه ما لا ترى المخلوق فيه منه، ولهذا قال: {مَا رَزَقْنَاكُمْ} يعني: أنا الرزاق لا غيري {وَاشْكُرُوا للَّهِ} [البقرة: 172] ، نتيجة أكل الطيبات بالأمر مع العلم بأن الله رزاق واشكروا الله على ما رزقه وفي قوله تعالى: {إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172] ، إشارتان أحدهما: أن من شرط العبودية شكر المعبود في السراء والضراء والشدة والرخاء، والثاني: أن الشكر نوع من عبادة المعبود وإن أكثرهم شكراً أكثرهم عبادة.
ثم أخبر عما حرم في الظاهر من المأكولات وفي الباطن من المألوفات بقوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ} [البقرة: 173] ، والإشارة فيها إن كان حرم على الظواهر هذه المعدودات حرم على البواطن شهود غير الله من الموجودات، فالميتة هي جيفة الدنيا، كما قال قائلهم:
عَلَيها كِلابٌ هُمُّهُنَّ اِجتِذابُها ... وَما هِيَ إِلاّ جِيَفَةٌ مُستَحيلَةٌ
فَإِن تَجتَنِبها كُنتَ سِلماً لأَهلِها ... وَإِن تَجتَذِبها نازَعَتكَ كِلابُها