ثم أخبر عن جهل أهل العناد بقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ} [البقرة: 118] ، الآيتين والإشارة فيهما أن الذين لا يعلمون أن الله متكلم من الأزل إلى الأبد بكلام قديم واحد، وكلامه متعلق بجميع المكونات أمر التكوين، وهو خطاب {كُنْ} فأسمع السماوات والأرض خطابه: أئتيا طوعاً أو كرهاً، فسمعت، وقالت أتينا طائعين ويرى سائر المكلفين أمر التلكيف، فقالوا: {لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ} [البقرة: 118] ، وما علموا أن الله يكلمهم على الدوام، ولكن لهم آذان لا يسمعون بها، وإنهم عن السمع لمعزولون، ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم كما أسمع قوماً أخبر عنهم، كما أخبره عنهم
{وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 83] ، فالسمع الحقيقي يزيد معرفة القلب وكل قلب يكون حيا بحياة معرفة الحق يسمع كلام الحق وللقلوب الميتة قال تعالى: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، ولو أسمعهم خطابه بسمع الظاهر وقلوبهم ميتة لتولوا عنه وعنهم معرضون، كما أسمع نفراً من قوم موسى عليه السلام خطابه فلم يطيقوا سماعه بعدما رأوا من عظيم الآيات وأن الله أماتهم ثم أحياهم حرفوا وبدلوا فما تغني الدلائل، وإن وضحت فيمن حقت له الشقاوة وسبقت الموتى مثل هؤلاء أشار بقوله تعالى: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة: 118] ، في الموت من حياة المعرفة.