{وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85] أي: بالذي عاهدتم عليه عند أخذ الميثاق ألا تعبدوا غيره من الشيطان والدنيا والنفس والهوى {فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ} [البقرة: 85] ، وهو عمى القلب عن المشاهدة والعمى في تيه الباطل {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الّعَذَابِ} [البقرة: 85] ، وهو المبالغة في عمى القلب، كما قال تعالى: {وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً} [الإسراء: 72] {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [البقرة: 86] ، نعيمها ولذاتها وشهواتها {بِالْآخِرَةِ} [البقرة: 86] ، برفعة درجاتها وعلو عرفانها {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ} [البقرة: 86] ، برحمة رب العالمين {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: 86] ، بشفاعة الشافعين.
ثم أخبر عن كمال فضله وغاية جهلهم وسنة عدله بقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} [البقرة: 87] ، والإشارة فيها أنا وصلنا لهم الخطاب وأردفنا رسولاً بعد رسول الجميع دعوا إلى واحد لكنهم أصغوا إلى دعاء الداعين بسمع الهوى، فما استلذته النفوس قبلوه وما استثقلته أهواءهم هجروه، وهذا حال أكثر البطالين الذين تلبسوا وتشبهوا بالطالبين الصادقين بعضهم بالزي واللباس وبعضهم بالعلم والوعظ والاقتصاص قبول الناس في هذا مع أهل البصيرة من المشايخ الواصلين والعلماء الراسخين يصغون إلى كلماتهم وإشاراتهم ليسمع الهوى في استحلته نفوسهم قبلوه، وما استكرهته أهواءهم واستغرتهم عقولهم نبذوه وراء ظهورهم بل طعنوا فيه وشنعوا عليه بجهالتهم ونكره لمقالهم، فيكذبون فريقاً منهم قراراً عن تحمل أعباء الطلب ويقاتلون فريقاً بالجدال وإثارة الفتنة حسداً وإنكاراً والفتنة أشد من القتل.