ثم أخبر عن أهل هذه الشقاوة ووصفهم بالقساوة بقوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلك} [البقرة: 74] ، والإشارة في تحقيق الآية أن اليهود وإن شاهدوا عظيم الآيات، وطالعوا واضح البينات فحين لم تساعدهم العناية ولم توافقهم الهداية لم تزدهم كثرة الآيات إلا قسوة على قسوة، ولم تنزلهم من مكامن التقدير إلا شقوة على شقوة، وذلك لأن الله تعالى أراهم الآيات الظاهرة فرأوها بنظر الحس، ولم يرهم البرهان الذي يراه القلب فيعجزهم عن التكذيب والإنكار، يدل عليه قوله تعالى: {وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] .
وسُئل الحسن ابن منصور رحمه الله عن البرهان فقال: البرهان واردات ترد على القلوب تعجز النفوس عن تكذيبها، فهكذا حال بعض المغرورين الممكورين من يدعي الطلب إذا لم يكن لهم شيخ كامل واصل حين شرعوا في الرياضة وأخذوا في المجاهدات بترك اللذات والشهوات يلوح لهم من صفاء الروحانية ظهور بعض الآيات وخرق العادات، فإذا لم يكن مقارناً برؤية البرهان ليكون مؤيداً بالتأييد الإلهي مؤكداً بالعناية الأزلية لم يزدهم إلا العجب والغرور والخسران والقساوة والطغيان، وأكثر ما يقع هذا للبرهان والمتفلسفة الذين استدرجهم الحق بالخذلان من حيث لا يعلمون، وإنما شبه قلوبهم بالحجارة للقسوة وعدم اللين للذكر الحقيقي كقوله تعالى: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23] ، والذكر الحقيقي ما يتداركه الحق بذكره كقوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] .