{فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} [البقرة: 64] ، وهو سبق العناية في البداية وتوفيق أخذ الميثاق بالقوة في الوسط، وقبول التوبة وتوفيقها والثبات عليها في النهاية، {لَكُنْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ} [البقرة: 64] ، المصرِّين على العصيان المغبونين بالعقوبة والخسران، والمبتلين بذهاب الدنيا والعقبى ونكال الآخرة والأولى، كما كان حال المصرِّين منكم والمعتدين بقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} [البقرة: 65] بالخذلان وتقديم العصيان {فَقُلْنَا لَهُمْ} [البقرة: 65] ، قهراً وفراً {كُونُواْ قِرَدَةً} [البقرة: 65] أمراً منا وحكماً جزماً {خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] ، مردودين إلى دركات الحيوانات والسبعيات.
{فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً} [البقرة: 66] ، فضيحة وغيره {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} [البقرة: 66] ، لمن تكون في زمانهم وعهدهم {وَمَا خَلْفَهَا} [البقرة: 66] ، ومن يكون بعد زمانهم إلى يوم القيامة فيعتبرون ويتعظون بهم المؤمنون المتقون عن البلايا بالرجوع إلى الحق عند الابتلاء.
كما قال تعالى: {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 66] ، فهذا البلاء والخسران جزاء فمن لم يعرف قدر الإحسان ويكافئ النعم بالكفران يرد من عزة الوصال إلى ذل الهجران ورسوم الصدود والخذلان، وكانت عقوبة الأمم بالمسخ والخسف على الأجساد، وهذه الأمة بالخسف والمسخ على القلوب، وعقوبات القلب أشد من عقوبات النفوس، قال الله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} [الأنعام: 110] ، هكذا حال من لم يتأدب في خدمة الملوك ينخرط في إتياء السلوك، ومن لم يتخط بساط القربة بقدم الحرقة يستوجب الحرمان ويستجلب الخسران ويبتلى بسياسة السلطان.