والآخر: أنه لو ذكر اليوم دون الليل لظن موسى عليه السلام أنه موعود بالتعبد في النهار دون الليل، وإنما الليل جعل للاستراحة والسكون لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً} [يونس: 67] ، فلما اختص الليل بالذكر علم موسى عليه السلام أن التعبد في الليل والنهار جميعاً.
ثم أخبر عن نعمة عفوه عنهم مع ما يصدر من المظالم منهم بقوله تعالى: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم} [البقرة: 52] ، والإشارة فيها أن الله تعالى لما أراد أن يخرج جوهر الشكورية التي هي من صفات الربانية من معدن الإنسانية أنعم عليهم بإسباغ نعمه الظاهرة والباطنة.
فمن نعمه الظاهرة: ما ذكر في الآيات السابقة بقوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا} [البقرة: 40] .
ومن نعمه الباطنة: ما ذكر في قوله تعالى: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ} [البقرة: 52] أي: من بعد عبادتكم العجل {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 52] ، والشكر على ثلاثة أوجه: شكر بالأقوال، وشكر بالأعمال، وشكر بالأحوال.
فشكر الأقوال: أن يتحدث بالنعم مع نفسه إسراراً ومع غيره إظهاراً ومع ربه افتقاراً، كما قال تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11] ، وقوله صلى الله عليه وسلم:"التحدث بالنعم شكر".
وشكر الأعمال: أن يعرف نعمة الله تعالى في طاعته ولا يعصيه بها، ويتدارك ما فاته من الطاعات وبادر من المعاصي؛ لقوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً} [سبأ: 13] .