ثم أخبر بعد العبور عن ميعاد الحصول في ميقات القرب والوصول بقوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [البقرة: 51] ، الإشارة فيها معنيان: عدد الأربعين في الميعاد الاختصاصية في الكمالية ذلك؛ لأن مراتب الأعداد أربع الآحاد والعشرات والمئات والألوف، والعشرة عدد في نفسها كاملة لقوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196] ، وإذا ضعفت العشرة أربع مرات، وهو أكمل مراتب الأعداد يكون أربعين، وهو كمال الكمال، وهو عدد أيام تخمير طينة آدم عليه السلام لقوله تعالى:"خمرت طينة آدم بيدي أربعين صباحاً"فللأربعين خاصية وتأثير لا توجد في غيرها من الأعداد.
كما جاء الحديث الصحيح عن عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنهما - قال:"حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك. . . الحديث"كما أن انعقاد الطلسم الجسماني على وجه الكنز الروحاني كان مخصوصاً بالأربعي، كذلك يكون انحلاله باختصاص الأربعين {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}
[الفتح: 23] .
ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من أخلص لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"وإنما اختصاص الليل بالذكر في قوله: {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} فلمعنيين:
أحدهما: أن لليل خصوصيته في التعبد والتقرب لقوله صلى الله عليه وسلم:"أقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل"وهكذا قوله صلى الله عليه وسلم:"ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا. . . الحديث"ولهذا المعنى قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَمِنَ الْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} [الإسراء: 79] ، وقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} [الإسراء: 1] .