ومنها: لتعلم أن لك همة عالية لا يسعها الجنة بما فيها، فإني أوهبتك الجنة منفرداً وحيداً وأبحت لك نعيمها مع كثرة تنوعها دون شجرة واحدة، فما رضيت نفسك بها وما قنعت بها حتى تفرقت في تلك الشجرة، ولو كانت مكانها ألف جنة أخرى لم يكفها، وكانت جهنم حرصا تقول هل من مزيد ولا تملأ حتى يضيع الجبار فيها قدمه، فهنالك تمتلئ وتتردى بعضها إلى بعض وتقول:"قط قط"فافهم جدّاً.
ومنها: إنه يشير بقوله تعالى: {يَآ آدَمُ اسْكُنْأَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] ، إلى أن الجنة مرتع النفس البهيمية الحيوانية، وغاية مطلبها وهمتها ونهاية نهمتها وشهوتها، ولكن فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} [البقرة: 35] ، واقنعها بها واستريحا، ولا توقدا نارا الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا من قرية الجنة ماء الجنة على رأسكما {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة: 35] أي: شجرة المحبة قد غرست لأجل آدم عليه السلام على الحقيقة؛ لقوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] ، وإنما نهى عنها لمعنيين:
أحدهما: للعزة والدلال المحبوبي، فإنها من ثمة الحزن وكمالية الجمال.