ثم أخبر عن تمام نعمته على آدم وكرمه في حقه بعد سجود الملائكة وطرد إبليس لأجله لقوله: {وَقُلْنَا يَآ آدَمُ اسْكُنْأَنْتَ وَزَوْجُكَ} [البقرة: 35] ، والإشارة في تحقيق الآية أن فيها إشارات ومعاني منها: {يَآ آدَمُ اسْكُنْأَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] أي: بعد أن سجدت لك الملائكة ولعنت لأجلك إبليس جعلت الجنة مسكنك وجعلت منك زوجك ولتسكن إليها وتسكن معك الجنة، فأسكنا في الجنة {وَكُلاَ مِنْهَا} [البقرة: 35] أي: من أثمار أشجارها ونعمها وألوان أطعمها {رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} [البقرة: 35] ، فتمت نعمتي لديكما ووجبت طاعتي عليكما {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة: 35] ، تقرباً التي وطاعة لي لتكونا من المطيعين لأمري ونهيي والموفين بعهدي، وإلا {فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ} [البقرة: 35] ، فلما قبلتما قولي وما أفيتما بعهدي وعصيتما أمري وظلمتما على أنفسكما، فهذا منكما من خصوصية الظلومية الجهولية ظلوم بأنه مظلم نفسه جهولاً بأنه لا يعلم أن ظلمة عائد إلى نفسه، كما قال تعالى:
{وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57] .
ومنها: أشارة بأن أبحت لك يا أدم نعيم الجنة وما كان فيها، وما كان لك فيها حق لأنك ما عملت عملاً تستحق به الجنة، فأعطني هذه الشجرة الواحدة منها وهي كلها لي وأن خلقتها، فإن لم تعطينها وتطمع فيها أيضاً، فاعلم {إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْر لَشَدِيدٌ} [العاديات: 6 - 8] .