فأما الحيوانات وإن كان لها بعض هذه الصفات ولكن ليس لها علم بوجودها وموجدها، وأما الملائكة فإنهم وإن كانوا عالمين بوجود موجدهم؛ ولكن لا يبلغ علمهم إلى أن يعرفوا أنفسهم بجميع صفاتها ولا الحق بجميع صفاته، ولهذا قولوا: {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} [البقرة: 32] .
وأما الإنسان فله الخلافة صورة ومعنى؛ أما صورة فلأن له علماً بوجود موجده ويبلغ علمه إلى أن يعرف نفسه بجميع صفاته والحق سبحانه بجميع صفاته ولهذا كان مخصوصاً بمعرفة نفسه بالخلافة وبمعرفة جميع أسماء الله تعالى.
وأما معنى؛ فليس في العالم مصباح يستضيء بنار نور الله فيظهر أنوا صفاته في الأرض خلافة عنه إلا مصباح الإنسان، فإنه مستعد لقبول فيض نور الله تعالى لأنه أعطى مصباح السر في زجاجة القلب والزجاجة في مشكاة الجسد، وفي زجاجة القلب زيت الروح يكاد زيتها يضيء من صفات الله تعالى العقل، ولو لم تمسسه نار النور في مصباح السر فتلية الخفلي.
فإذا أراد الله تعالى أن يجعل في الأرض خليفة يتجلى بنور جماله لمصباح السر الإنساني فيهدي لنوره فتيله حتى من يشاء، فيستنير مصباحه بنار نور الله تعالى فهو على نور من ربه، فيظهر خليفة الله في أرضه فتظهر أنوار صفاته فيه هذا العالم فيأتي بالعدل والإحسان والرأفة والرحمة لمستحقها وبالعزة والقهر والغضب والانتقام لمستحقها كما قال تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26] .