ثم ضرب لهم مثلاً آخر بقوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 19] ، الآيتين والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى نسبه في حال متمني هذا الحديث واشتغالهم بالذكر وتتبع القرآن في البداية وتجددهم في الطلب ما يفتح لهم من الغيب إلى أن تظهر النفس الملائكية وتقع في آفة الفترة والوقفة بمن يكون في المفازة سائراً في ظلمة الليل والمطر، وشبه الذكر، والقرآن بالمطر؛ لأنه ينبت الإيمان والحكمة في القلب كما ينبت الماء البقلة، {فِيهِ ظُلُمَاتٌ} [البقرة: 19] ، أي: مشكلات ومتشابهات وشبهات تظهر للسالك الذاكر في أنحاء السلوك ومعان دقيقة لا يمكن حلها وفهمها والخروج عن عهدة آفاتها إلا لمن كان له عقل منور بنور الإيمان مؤيد بتأييد الرحمن كما قال تعالى: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ} [الرحمن: 1 - 2] .
فكما أن السير لا يمكن في الظلمات إلا بنور السراج كذلك لا يمكن السير في حقائق القرآن ودقائقه ولا في ظلمات البشرية إلا بنور الهداية الربوبية، ولهذا قال تعالى: {أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ} [البقرة: 20] ، يعني: نور الهداية {وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} [البقرة: 20] يعني: ظلمة البشرية. قوله تعالى: {وَرَعْدٌ} [البقرة: 19] ، خوف وخشية ورهبة تتطرق إلى القلوب من هيبة جلال الذكر والقرآن كما قال تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: 21] .
{وَبَرْقٌ} [البقرة: 19] ، وهو تلألؤ أنوار الذكر والقرآن تهتدي إلى القلوب فتلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله فتظهر، فسببها حقيقة القرآن والدين فتعرفها القلوب بقوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ}