قراءة من قرأ: {كَانُوا يَكْذِبُونَ} دلالة على أن لكذبهم ونفاقهم عذاباً ولتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم عذاباً آخر، فيكون ألم عذابهم بالنسبة إلى الكفار ضعفين، نظيره قوله تعالى: {وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ} [الأحزاب: 67] ، أنهم ضعفين من العذاب يعني عذاب الضلالة والإضلال فاختصاص المنافقين بالدرك الأسفل من النار لهذا المعنى، فإنهم مع الكفار مشتركون في دركات النار، وهم مختصون بالدرك الأسفل بمزيد نفاقهم على الكفر، والله أعلم.
وفي الآيات الثلاث إشارات ودلالات أُخر؛ وهي قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] ، إشارة إلى أهل الغفلة والنسيان من المسلمين يظنون أنهم مؤمنون حقاً وإنما هم مؤمنون باللسان والتقليد، وهم يحسبون أنهم آمنوا بالتحقيق، فما هم بمؤمنين حقيقة بل هم مسلمون، كما قال تعالى:
{قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] ، والإيمان الحقيقي نور إذا دخل القلب، فيظهر على المؤمن حقيقة، كما كان لحارثة لما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كيف أصحبت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمناً حقاً قال: يا حارثة إن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قال: عرفت نفسي عن الدنيا فأظمأت نهرها وأسهرت ليلها واستوت عندي حجرها وذهبها، وكأني أنظر إلى أهل الحنة يتزاورون وإلى أهل النار يتضاغون، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عرفت فالزم".