أي بين كل منهم وبين آخر منهم ، فإن النكرة فِي سياق النفي تعم ولذلك صلحت لدخول"بين"عليها . وليس المراد بعدم التفريق عدم التفضيل لقوله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} [البقرة: 253] بل المراد عدم التفريق فِي الإيمان بهم وفي اعتقاد بنوتهم لظهور المعجزات على أيديهم حسب دعاويهم . والغرض منه تزييف معتقد اليهود والنصارى الذين يقرون بنبوة موسى وعيسى دون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . وعن أبي مسلم: لا نفرق ما جمعوا كقوله {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} [آل عمران: 103] واعلم أن قوله {آمن الرسول} إلى قوله {بين أحد من رسله} إشارة إلى استكمال القوة النظرية بهذه المعارف الشريفة {وقالوا سمعنا وأطعنا} إشارة إلى استكمال القوة العملية بالأعمال الفاضلة الكاملة . أو نقول: إن للإنسان إياماً ثلاثة الأمس والبحث عنه يسمى معرفة المبدأ ، واليوم والبحث عنه يسمى بالوسط ، والغد والفحص عنه يسمى بعلم المعاد . فقوله: {آمن الرسول} إلى قوله {من رسله} إشارة إلى معرفة المبدأ {وقالوا سمعنا وأطعنا} إشارة إلى الوسط و {غفرانك ربنا وإليك المصير} علم المعاد ومثله فِي آخر سورة هود {ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله} [هود: 123] وهو معرفة المبدأ لأن الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة . وقوله: {ولله غيب السماوات والأرض} [هود: 123] فيه بيان كمال العلم ، وقوله {وإليه يرجع الأمر} فيه كمال القدرة . وأما علم الوسط وهو علم ما يجب أن يشتغل به اليوم فبدايته الاشتغال بالعبودية وهو قوله: {فاعبده} [هود: 123] ونهايته قطع النظر عن الأسباب ، وتفويض الأمور كلها إلى مسبب الأسباب وهو قوله {وتوكل عليه} [هود: 123] وأما علم المعاد فقوله: {وما ربك بغافل عما تعملون} [هود: 123] أي ليومك غد سيصل إليك فيه نتائج أعمالك ومثله {سبحان ربك رب العزة عما يصفون}