والثالثة الكتب فإنه الوحي الذي يتلقفه الملك ويوصله إلى النبي صلى الله عليه وسلم . فمثال الملك فِي عالم الصورة جرم القمر ، ومثال الوحي نور القمر . فكما أن القمر يستفيد من نور الشمس ويوصله إلينا فكذا الملك يأخذ الوحي من الله تعالى ويلقيه على الأنبياء فلا جرم وقع الرسل فِي المرتبة الرابعة . وهذا الترتيب مما تقتضيه حكمة عالم التكليف والوسائط وإلا فمقام لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل معلوم لنبينا صلى الله عليه وسلم ، وهذا سر تطلع منه على أسرار أخرى إن كنت من أهلها ، ثم الإيمان بالله عبارة عن الإيمان بوجوده وبصفاته وبأفعاله بأحكامه وبأسمائه . أما الإيمان بوجوده فهو أن تعلم أن وراء المتحيزات موجوداً خالقاً لها ، وعلى هذا التقدير فالمجسم لا يكون مقراً بوجود الإله تعالى فيكون الخلاف معهم فِي ذات الله تعالى . وأما الفلاسفة والمعتزلة فالخلاف معهم فِي الصفات لا فِي الذات ، لأنهم مقرون بوجود موجود غير متحيز ولا حال فِي المتحيز ، وأما الإيمان بصفاته فالصفات إما ثبوتية أو سلبية أو إضافية . وقد عرفت فِي تفسير البسملة ما يصح وصفه تعالى بها وما لا يصح ، وكذا فِي تفسير آية الكرسي . وأما الإيمان بأفعاله فأن تعلم أن كل ما سواه فإنما حصل بتخليقه وتكوينه حتى الأفعال التي تسمى اختيارية للحيوانات ، وذلك أن مشيئة الإنسان محدثة منتهية إلى الله سبحانه فهو مضطر فِي صورة مختار . وقد حققنا هذه المسألة فِي تفسير قوله {ختم الله على قلوبهم} [البقرة: 7] وأما الإيمان بأحكامه فإن تعلم أنها غير معللة بغرض وإن كان يترتب عليها الفوائد ، وأن تعلم أن المقصود من شرعها منافع عائدة إلى العباد لا إلى الله فإنه منزه عن جلب المنافع ودفع المضار ، وأن تعلم أن له الإلزام والحكم فِي الدنيا كيف شاء وأراد ، وأن تعلم أنه لا يجب على الحق بسبب الأعمال شيء ، وأنه فِي الآخرة يغفر لمن يشاء بفضله ويعذب من يشاء بعدله ولا