أو نقول: إنه بدأ السورة بذكر المتقين الذين يؤمنون بالغيب ، فبيّن فِي آخرها أن الذين مدحتهم فِي أول السورة هم أمة محمد {والمؤمنون كل آمن بالله} ثم قال ههنا {وقالوا سمعنا وأطعنا} كما قال هناك {ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] وقال ههنا {غفرانك ربنا وإليك المصير} كما قال هنالك {وبالآخرة هم يوقنون} [البقرة: 4] ثم حكى عنهم كيفية تضرعهم إلى ربهم بقوله: {ربنا لا تؤاخذنا} إلى آخر السورة كما قال هناك {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} [البقرة: 5] أو نقول: إنه سبحانه لما ذكر فِي هذه السورة أنواع الشرائع والأحكام ، بيّن أن الرسول اعترف لمعجزة دلت على صدق الملك أن ذلك وحي من الله وصل إليه ، وأن الذي أخبره بذلك ملك مبعوث من قبل الله معصوم من التحريف وليس بشيطان مضل . ثم ذكر عقيبه إيمان المؤمنين بذلك لمعجزات أظهرها الله تعالى على يد الرسول حتى استدلت الأمة بها على أنه صادق فِي دعواه وهو المرتبة المتأخرة . ومن تأمل فِي نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بسبب فصاحة ألفاظه وبلاغة معانيه ، فهو أيضا معجز بحسب ترتيبه ونظم مبانيه . ولعل الذين قالوا إنه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك . ثم ههنا احتمالان: أحدهما أن يكون تمام الكلام عند قوله: {المؤمنون} فيكون المعنى {آمن الرسول ... والمؤمنون ... بما أنزل إليه من ربه} ثم ابتدأ بقول {كل آمن} فيكون الضمير الذي التنوين نائب عنه فِي كل عائداً إلى الرسول والمؤمنين أي كلهم آمن بل كل واحد ممن تقدم ذكره من الرسول والمؤمنين آمن ، ولهذا وحد . ومثل هذا الضمير يجوز أن يفرد بمعنى كل واحد ، ويجوز أن يجمع كقوله {وكل أتوه داخرين} [النمل: 87] وهذا الاحتمال يشعر بأنه صلى الله عليه وسلم ما كان مؤمناً بربه ثم آمن ، فيحمل عدم الإيمان على وقت الاستدلال وذلك أنه عرف بما ظهر من المعجزات على