واعلم أن العلماء اتفقوا على أن الأمور التي تخطر بالبال مما يكرهها الإنسان ولا يمكنه إزالتها عن النفس ، لا يؤاخذ بها لأنها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق ، وأما الخواطر التي يوطن الإنسان نفسه عليها ويعزم على إدخالها فِي الوجود فقد قيل: إنه يؤاخذ بها لقوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} [البقرة: 225] وكما يؤاخذ باعتقاد الكفر والبدع وأنه من أفعال القلوب ، ثم قال بعضهم: إنما يؤاخذ بها الدنيا لما روى الضحاك عن عائشة أنها قالت: ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة الله عليه . نعم يبتليه فِي الدنيا أو حزن أو أذى ، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب . وروت أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه . وقيل: إن كل ما كان فِي القلب مما لا يدخل فِي العمل فإنه فِي محل العفو لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال بعد نزول قوله {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلموا"وقيل: معنى قوله {وإن تبدوا ما فِي أنفسكم أو تخفوه} أن يدخل ذلك العمل فِي الوجود إما ظاهراً وإما على سبيل الخفية ، وعلى هذا فلا حاجة إلى التزام النسخ . وكذا لو قيل: إن معنى كونه حسيباً ومحاسباً كونه عالماً بما فِي الضمائر والسرائر فيغفر لمن يشاء وإن كان من أصحاب الكبائر لعموم اللفظ . وعند المعتزلة لمن استوجب المغفرة بالتوبة وهو تخصيص من غير دليل {ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} مستولِ على كل الممكنات بالقهر والغبة والإيجاد والإعدام . فعلى كل عاقل أن يكون له عبداً منقاداً خاضعاً لأوامره ومراضيه ، محترزاً عن مساخطه ومناهيه ليستحق المدح والثناء بقوله {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون} فإن كمال الربوبية فِي الواجب يستلزم كمال العبودية فِي الممكن ، وكمال العبودية فِي الممكن يستتبع كمال الرحمة عليه وذلك قوله: لا يكلف