أي أن الله لن يحملنا ما لا طاقة لنا به. وعندما نقول:"واعف عنا"فنحن نتوجه إلى الله ضارعين: أنت يا حق تعلم أننا مهما أوتينا من اليقظة الإيمانية والحرص الورعي فلن نستطيع أن نؤدي حقك كاملاً ، ولذلك لا ندخل عليك إلا من باب أن تعفو عنا. ومعنى العفو محو الأثر ، كالسائر فِي الصحراء تترك قدماه علامة ، وتأتي الريح لتزيل هذا الأثر. كأن هناك ذنباً والذنب له أثر ، وأنت تطلب من الله أن يمحوا الذنب.
وعندما تقول:"واغفر لنا"فأنت تعرف أن من مظاهر التكوين البشري النية التي تريد أن تحول العزم إلى حيز السلوك والانفعال النزوعي ؛ فالمسألة تحتاج منك إلى تدريب ، ومثال ذلك ، عندما يذنب واحد فِي حقك فلك أن ترد عليه الذنب بالذنب ، ولك أن تكظم الغيظ ، لكن يظل الغيظ موجوداً وأنت تحبسه ، ولك أن تعفو.
لكن ماذا عن مثل هذا الأمر بالنسبة للخالق الذي له كمال القدرة ؟ إن الله قدر لا يعذب العبد المذنب ولكنه قد يظل غاضبا عليه ، ومن منا قادر على أن يتحمل غضب الرب ؟ لذلك نطلب المغفرة ، ونقول:"واغفر لنا وارحمنا"فنحن ندعوه سبحانه ألا يدخلنا فِي الذنب الذي يؤدي إلى غضبه - والعياذ بالله - علينا. فالعفو هو أن نرتكب ذنبا ونطلب من الله المغفرة ، ولكن الرحمة هي الدعاء بألا يدخلنا فِي الذنب أصلا.
وعندما يقول الحق:"أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين"فهذا اعتراف بعبوديتنا له ، وأنه الحق خالقنا ومتولي أمورنا وناصرنا ، وما دام الحق هو ناصرنا ، فهو ناصرنا على القوم الكافرين ؛ فكان ختام سورة البقرة منسجما مع أول سورة البقرة فِي قوله:"الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ، الذين يؤمنون بالغيب ، ويقيمون الصلاة ، ومما رزقناهم ينفقون".