والمصيبة الكبرى ألا يحتاج الشر إلى افتعال ؛ لأن صاحبه يصير إلى بلادة الحس الإيماني ، وتكون الشرور بالنسبة إليه سهلة ؛ لأنه تعود عليها كثيراً ، ويقول الحق:"بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته"إن الخطيئة تحيط به من كل ناحية ، ولم يعد هناك منفذ ، وهو لا يفتعل حتى صارت له ملكة فِي الشر ؛ فاللص مثلاً فِي بداية عمله يخاف ويترقب ، لكن عندما تصبح اللصوصية مهنته فإنه يحمل أدوات السرقة ويصير حسه متبلداً.
ففي المرحلة الأولى من الشر يكون أهل الشر فِي حياء من فعل الشر ، وذلك دليل على أن ضمائرهم وقلوبهم ما زال فيها بعض من خير ، لكن عندما يعتبرون الشر حرفة وملكة فهنا المصيبة ، وتحيط بكل منهم خطيئة وتطوقه ولا تجعل له منفذاً إلى الله ليتوب. فالذي يلعب الميسر ، أو طوقته خطيئة الفحش قد يقول فرحاً:"كانت سهرة الأمس رائعة"، أما الذي يرتكب الخطأ لأول مرة فإنه يقول:"كانت ليلة سوداء يا ليتها ما حدثت"، ويظل يؤنب نفسه ويلومها ؛ لأنه تعب وأرهق نفسه ؛ لأنه ارتكب الخطأ.
إذن فقول الحق:"لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت"يوضح لنا أن فعل الشر هو الذي يحتاج إلى مجهود ، فإن انتقلت المسألة من اكتسبت إلى كسبت فهذه هي الطامة الكبرى ، ويكون قد أحاطت به خطيئته. ويكون على كل نفس ما اكتسب والعاقل هو من يكثر ما لنفسه ، ولا ما عليها ؛ لأن الذي يقول ذلك هو الحق العالم المالك الذي إليه المصير ، فليس من هذا الأمر فكاك. وبعد ذلك يقول الحق على لسان عباده المؤمنين:"ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، ولقائل أن يقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم طمأننا ، فقال: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه) رواه الطبرانى فِي معجمه الكبير عن ثوبان. فكيف يأتي القرآن بشيء مرفوع عن الأمة الإسلامية ليدعو به الناس ربهم ليرفعه عنهم ؟.