قال البقاعي ولما بشرهم بذلك عرفهم مواقع نعمه من دعاء رتبه على الأخف فالأخف على سبيل التعلي ، إعلاماً بأنه لم يؤاخذهم بما اجترحوه نسياناً ، ولا بما قارفوه خطأ ، ولا حمل عليهم ثقلاً ، بل جعل شريعتهم حنيفية سمحاء . ولا حملهم فوق طاقتهم . مع أن له جميع ذلك . وأنه عفا عن عقابهم ثم سترهم فلم يخجلهم بذكر سيئاتهم . ثم رحمهم بأن أحلّهم محل القرب فجعلهم أهلاً للخلافة . فلاح بذلك أنه يعلي أمرهم على كل أمر . ويظهر دينهم على كل دين . وإذ كان سبحانه هو الداعي عنهم . وليكون الدعاء كله محمولاً على الإصابة ومشمولاً بالإجابة فقال تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا} أي: لا تعاقبنا: {إِن نَّسِينَا} أمرك ونهيك: {أَوْ أَخْطَأْنَا} أي: ففعلنا خلاف الصواب ، تفريطاً ونحوه .
وقد ولع كثير من المفسرين ههنا بالبحث فِي أن النسيان الخطأ معفو عنهما ، فما فائدة طلب العفو عنهما ؟ وأجابوا عن ذلك بوجوه . وأرق جواب رأيته قول العلامة بير محمد فِي"المدحة الكبرى": لما كان طالب العفو الرسول والأنصار والمهاجرون ، ومن كان على شاكلتهم ، فكأنهم يعدّون النسيان من العصيان ، والخطأ من الخطيئة . كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60] .
وقيل فِي معنى الآية: لا تعاقبنا إن تركنا أمرك أو اكتسبنا خطيئة . على أن يكون النسيان بمعنى الترك . والخطأ من الخطيئة . وعليه فلا إيراد ، والله أعلم .
{رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً} أي: عهداً يثقل علينا .