قوله:(وتخصيص الكسب بالخير والاكتساب بالشر لأن الاكتساب فيه احتمال والشر
تشتهيه النفس وتنجذب إليه فكانت أجد في [تحصيله] وأعمل بخلاف الخير)لأن الاكتساب
فيه اعتمال أي الاجتهاد في العمل وسره أن زيادة المبنى تدل عَلَى زيادة الْمَعْنَى فلما وردت
في الشر صيغة الافتعال مع ورود الثلاثي في الخير حصل التَّنْبيه عَلَى أن النفس أجد في
تَحْصيل الشر بخلاف الخير فإنه ثقيل عليها، والنفس المطمئنة وصاحب الْقُوَّة القدسية
مُسْتَثْنَى منها، والْمُرَاد أنه إذا خلى النفس وطبعه فالأمر ذلك إلا من عصمه الله تَعَالَى. الباء
داخل عَلَى المقصور بملاحظة قيد هنا وإلا فكثيرًا ما يستعمل الكسب في الشر كقوله
تَعَالَى: (بلى مَنْ كَسَبَ سَيّئَةً) الآية. فمعنى الكسب تَحْصيل العمل بأي وجه
كان، ومعنى الاكتساب المُبَالَغَة والاعتمال فيه فيكون الكسب أعم. قال الواحدي الصحيح
عند أهل اللغة إن الكسب والاكتساب واحد لكن مختار المصنف هُوَ الراجح؛ إذ المراعاة
للبناء حسن بل واجب حسبما أمكن وأهل اللغة يبنون معنى اللَّفْظ وبيان أحوال البناء
وظيفة أرباب التصريف. قيل: والْمُرَاد بالآية حديث النفس لأنه لا يدخل تحت التكليف
والطاقة قاله أكثر المفسرين انتهى. فمن عمم قَوْلُه تَعَالَى:(وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أو
تخفوه)الآية. إلَى حديث النفس فهو منسوخ حكمه بالنسبة إلَى حديث
النفس بقَوْلُه تَعَالَى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) الآية. ثم إن هذه الْجُمْلَة مُسْتَأْنَفَة
ابتدائية مسوقة لبيان يسر التكليف إثر حكاية تكليف الْمُؤْمنينَ بالأوامر والنواهي، ونقل عن
القشيري أنه قال: إنه من تمام قول الْمُؤْمنينَ، ولا يخفى أنه تكلف لا يليق بجزالة النظم
الكريم؛ إذ الْمَعْنَى يقولون غفرانك لا تكلف أنت نفسًا فوق وسعها، ففي هذا تغيير المبنى من
الغيبة إلَى الخطاب مع أن الْفَاعل مظهر.
قوله: (ربنا لا تؤاخذنا) [أي] يقولون ربنا كما تقدم وما بَيْنَهُمَا إخبار
من الله تَعَالَى باليسر في التكليف والاعتراض قبل تمام الْكَلَام كثير في الْقُرْآن كذا قيل. وما
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: لأن الشر فيه اعتمال. أي اجتهاد في العمل فإن الشر مشتهى للنفوس يكون للنفس فيه جد
وسعي بخلاف الخير كأنه زيد في المعنى لزيادة في البناء. والحاصل أن صيغة افتعل موضوع لتَحْصيل
الْفعْل لنفسه كـ اتزنه أي وزنه لنفسه واكتاله أي كاله لنفسه ومن المعلوم أن من فعل الْفعْل لنفسه كان
أجد في تَحْصيله وأعمل في إيقاعه. قال ابن الحاجب ما حاصله أن هذا يدل عَلَى زيادة لطف من الله
في شأن عباده يثيبهم عَلَى الخير [كَيْفَما] وقع ولا يجزيهم عَلَى الشر إلا بعد الاعتمال والتصرف.