يدل على هذا التفسير قوله لليهود: {وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} [آل عمران: 81] .
وقال كثير من أهل المعاني: الإصر: الثقل، أي: لا تَشُقّ علينا، ولا تشدد ولا تغلِّظ الأمرَ علينا، كما شددت على من قبلنا من اليهود، وذلك أن الله تعالى فرضى عليهم خمسين صلاة، وأمرهم بأداءِ رُبُعِ أموالهم في الزكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسةٌ أُمِرَ بقطعها، ونحو هذا من الأثقال التي كانت عليهم، يدل على هذا قوله في صفة هذه الأمة: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157] وهذا قول أبي عبيدة والمؤرج والقتبيي والزجاج وابن الأنبارى.
قال الزجاج: المعنى لا تحمل علينا أمرًا يَثْقُلُ كما حملته على الذين من قبلنا، نحو ما أمُر به بنو إسرائيل من قتل أنفسِهم، أي: لا تمتحنا بما يثقل علينا.
وقوله تعالى: {وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} الطاقة: اسم من الإطاقة، كالطاعة من الإطاعة، والجابة من الإجابة، وهي توضع موضع المصدر.
قيل في معنى {مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} ، أي: من العذاب، كأنهم سألوا الله تعالى أن لا يعذبهم بالنار، فإنه لا طاقة لأحد مع عذاب الله، وقيل:
أيِ: ما يثقل علينا أداؤه، وإن كنا مطيقين له بعد التجشم وتحمل المكروه، وهذا كما تقول العرب: ما أطيق النظر إلى فلان، وهو مطيق لذلك، إلا أنه يثقل عليه ويتأذى به، ومن هذا قوله: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ} [هود: 20] معناه: كانوا يستطيعون ذلك على تأذٍّ وتَكَرُهٍ، فكانوا بمنزلة من لا يستطيع.