فلما أمرت الملائكة بالسجود لآدم دخل في الجملة الملك الأصيل والملحق بالملائكة، غير أن مفارقته الملائكة في أصل جملته على مفارقتهم في الطاعة، قال الله عز وجل: {إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} كما يكون الأعجمي المبعوث بين قوم فإذا همت العرب بأمر وأجمعت عليه، حمل الأعجمي أصله المخالف لأصل العرب على خلافهم، فيقال إنه كان من الأعاجم، فكذلك لم يواطئ العرب، فرده الله بعد ذلك إلى مساكن جنسه، وأخرجه من السماوات، فصار عند الإقصاء شيطاناً كما كان عند الأدنى ملكاً.
وأما قول الله عز وجل: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً} .
فإن الناس لم يتفقوا على أن الإشارة به واقعة إلى قولهم: الملائكة بنات الله، لكن ذلك قد قيل، وقيل غيره: وهو أن مشركي العرب كانوا يقولون للأصنام أنها بنات الله، وسمتها لذلك آلهة، ويزعم أن عبادتهم لها تقربهم إلى الله عز وجل، ولذلك كانت تسميها اللات والعزى ومناة.
وإنما وقع لهم من حيث إن الشياطين كانت تدخل أجوافها.
فيكلم منها، فكانوا ينسبون ذلك كلام إلى الله تعالى.
فقال الله تعالى: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً} لأنهم سموا الأصنام لمكان تكليم الجنة إياهم من أجوافها آلهة، وإدعوا أنها بنات الله وأثبتوا بين الله تعالى وبين الجنة نسباً، جهلاً منهم، بأن الكلام الذي يسمعونه، إنما هو كلام الشياطين، لا كلام الله جل ثناؤه، وليس هذا في الظهور دون الوجه الآخر، والله أعلم.
وأما قوله عز وجل: {خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} .
فإنما هو بيان ما ركبه من خلق متقد، فلم تدخل الملائكة في ذلك لأنهم مخترعون.
قال الله - عز وجل - لهم (كُونوا فَكانُوا) كما قال للأرض التي خلق منه الجن، والأصل الذي خلق منه الإنسان وهو من التراب والماء والنار والهواء كن فكان، فكانت الملائكة في الاختراع كأصول الإنس والجن، لا كأعيانهم، فكذلك لم يذكروا معهم والله أعلم.
(فصل)
ثم إن الملائكة يسمون روحانيين، بضم الراء، على معنى أنهم أرواح لا شيء معها من ماء أو نار أو تراب، وإنما لا يرون للطافتهم.