وإنما يحتاج إلى الرهن المتهم بالخيانة لا المتعين للأمانة، فلم يوجد فِي السماوات والأرض ولا فِي الدنيا والآخرة أمين يؤتمن لتحمل أعباء أمانته إلا العاشق المسكين. لما نظر إليها كان فراش تلك الشمعة عشقها فطار فيها وأتى بحملها، فلما حملها واستحسن منه ما تفرد به من أصحابه جاءت له من الحضرة ألقاب فنسب فِي البداية إلى الإفساد وسفك الدماء {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} [البقرة: 30] ولقب فِي النهاية بالظلم والجهل {إنه كان ظلوماً جهولاً} [الأحزاب: 72] هذا أمر عجيب ونقش غريب، من لم يطع فِي حمل الأمانة وأتى نسب إلى المكانة والطاعة والأمانة مكين مطاع ثم أمين. ومن أطاع فِي حمل الأمانة وأتى نسب إلى الظلم والجهل والفساد والخيانة، نعم إنما يكون ذلك لوجهين: أحدهما أن الذلة والمسكنة وقعت فِي قسم العاشق كما أن العزة والعظمة وقعت فِي طرف المعشوق بل جمال عزة المعشوق، لا يظهر إلا فِي مرآه ذلة العاشق.
وثانيهما أن من له كمال عزة الأمانة يلزم كمال ذلة المؤتمن فِي الظاهر بصلاح كتمان أمر الأمانة. وقد يختص غير المؤتمن بحسن الثناء عليه ليكون عزته فِي الظاهر وذلته فِي الحقيقة يدلك على حقيقة حفظ السر خطاب، {اسجدوا لآدم} [البقرة: 34] وعتاب {إني أعلم ما لا تعلمون} [البقرة: 30] {فإن أمن بعضكم بعضاً} كما اخترتك من بين الخليقة واصطفيتك على البرية بحمل الأمانة {فليؤد الذي اؤتمن أمانته} ولا تكتموا الشهادة، أشهدتكم على أنفسكم يوم الميثاق بإقرار قبول الأمانة فقلتم: بلى شهدنا. فاليوم أطالبكم بأداء حقها فأدوها لي ملفوفة بلفاف التقوى «الإيمان عريان ولباسه التقوى» وكتمان الشهادة أن يكون شهودك مع غير شواهد ربك، وهذا من نتائج خيانة قلبك فِي أمانة ربك، فلا يشاهد قلبك إلا شواهد ربك، ولا يؤدي سرك حقيقة أمانة ربك إلا إلى ربك بربك لربك. انتهى انتهى. {غرائب القرآن حـ 2 صـ 81 - 82}