وهنا يستجيش الشارع ضمائر المؤمنين للأمانة والوفاء بدافع من تقوى الله. فهذا هو الضمان الأخير لتنفيذ التشريع كله ، ولرد الأموال والرهائن إلى أصحابها ، والمحافظة الكاملة عليها:
{فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه} .
والمدين مؤتمن على الدين ، والدائن مؤتمن على الرهن ؛ وكلاهما مدعو لأداء ما اؤتمن عليه باسم تقوى الله ربه.
والرب هو الراعي والمربي والسيد والحاكم والقاضي. وكل هذه المعاني ذات إيحاء فِي موقف التعامل والائتمان والأداء.. وفي بعض الآراء أن هذه الآية نسخت آية الكتابة فِي حالة الإئتمان. ونحن لا نرى هذا ، فالكتابة واجبة فِي الدين إلا فِي حالة السفر. والإئتمان خاص بهذه الحالة. والدائن والمدين كلاهما - فِي هذه الحالة - مؤتمن.
وفي ظل هذه الاستجاشة إلى التقوى ، يتم الحديث عن الشهادة - عند التقاضي فِي هذه المرة لا عند التعاقد - لأنها أمانة فِي عنق الشاهد وقلبه:
{ولا تكتموا الشهادة. ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} .
ويتكئ التعبير هنا على القلب. فينسب إليه الإثم. تنسيقاً بين الإضمار للإثم ، والكتمان للشهادة. فكلاهما عمل يتم فِي أعماق القلب. ويعقب عليه بتهديد ملفوف. فليس هناك خاف على الله.
{والله بما تعملون عليم} .
وهو يجزي عليه بمقتضى علمه الذي يكشف الإثم الكامن فِي القلوب!
ثم يستمر السياق فِي توكيد هذه الإشارة ، واستجاشة القلب للخوف من مالك السماوات والأرض وما فيهما ، العليم بمكنونات الضمائر خفيت أم ظهرت ، المجازي عليها ، المتصرف فِي مصائر العباد بما يشاء من الرحمة والعذاب ، القدير على كل شيء تتعلق به مشيئته بلا تعقيب!
{لله ما فِي السماوات وما فِي الأرض. وإن تبدوا ما فِي أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ، والله على كل شيء قدير} ..