(قَالَ) وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ بَعْدَ هَذَا بِالْعَمَلِ بِالْخَطِّ ، وَنَحْمَدُ اللهَ أَنْ كَانَ الْمُفْتَى بِهِ هُوَ الْعَمَلَ بِالْخَطِّ ; إِذْ لَوْ كَانَ الْمُفْتَى بِهِ هُوَ خِلَافَ مَا أَمَرَ بِهِ الْقُرْآنُ لَكَانَ الْمَصَابُ عَظِيمًا ، وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ الْعَمَلِ بِالْخَطِّ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ فِيهِ التَّزْوِيرُ ، وَزَعَمُوا أَنَّ فَائِدَةَ الْكِتَابَةِ التَّذْكَارُ فَقَطْ ، كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِشْهَادِ لِأَجْلِ التَّذْكَارِ ، وَمَنْشَأُ الشُّبْهَةِ فِي هَذَا قَوْلُهُ - تَعَالَى - فِي الْمَرْأَتَيْنِ: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَالصَّوَابُ: أَنَّ كُلًّا مِنَ الْكِتَابَةِ وَالِاسْتِشْهَادِ قَدْ شُرِعَ لِلِاسْتِيثَاقِ بَيْنَ الدَّائِنِ وَالْمَدِينِ لَا لِأَجْلِ التَّذَكُّرِ بَعْدَ النِّسْيَانِ ، وَالْكِتَابَةُ أَقْوَى مِنَ الشَّهَادَةِ فِيهِ ، وَهِيَ عَوْنٌ لِلشَّهَادَةِ فَهِيَ آلَةُ الِاسْتِيثَاقِ لِلْمُتَعَامِلِينَ ، فَالدَّائِنُ يَسْتَوْثِقُ بِمَالِهِ فَيَأْمَنُ مِنْ إِنْكَارِهِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ ، وَالْمَدِينُ يَسْتَوْثِقُ بِمَا عَلَيْهِ فَلَا يَخَافُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ ، وَالشَّاهِدُ يَسْتَوْثِقُ بِشَهَادَتِهِ فَإِذَا شَكَّ أَوْ نَسِيَ رَجِعَ إِلَى الْكِتَابِ فَتَذَكَّرَ وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ ; وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا وَنَفْعُ الْكِتَابَةِ الْأَكْبَرُ يَكُونُ بَعْدَ مَوْتِ الشَّهِيدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا فَلَا يَصِحُّ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَنْ تَضِيعَ الْحُقُوقُ وَلَا حَافِظَ لَهَا حِينَئِذٍ إِلَّا الْكِتَابَةُ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فَيُعْمَلُ بِهَا .