وَمِمَّا قَالَ فِي رَدِّ قَوْلِهِمْ: إِنَّ هَذَا مِنَ الْحَرَجِ الْمَرْفُوعِ: كَيْفَ يَكُونُ هَذَا حَرَجًا وَهُوَ مِمَّا لَا يَقَعُ إِلَّا قَلِيلًا لِبَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ وَلَا يَكُونُ الْوُضُوءُ حَرَجًا وَهُوَ مِمَّا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ كُلَّ يَوْمٍ يُصَلِّي فِيهِ خَمْسَ مَرَّاتٍ ، فَمَا كَلُّ مَا يَتَكَرَّرُ يَكُونُ حَرَجًا ; يَعْنِي أَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي هَذَا وَلَا ذَاكَ كَمَا سَيَأْتِي عَنْهُ . وَأَقُولُ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَرَجِ وَالْعُسْرِ الْمَنْفِيَّيْنِ بِالنَّصِّ أَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ وَلَا كُلْفَةَ فِي شَيْءٍ مِنَ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنْهَا لِلْإِعْنَاتِ وَتَجْشِيمِ الْمَشَاقِّ وَالْإِيقَاعِ فِي الْعُسْرِ وَالْحَرَجِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ حُكْمٍ مِنْهَا فَائِدَةٌ أَوْ فَوَائِدُ تَرْفَعُ الْحَرَجَ وَالْعُسْرَ وَيَصْلُحُ بِهَا أَمْرُ
النَّاسِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي شُئُونِهِمُ الِاجْتِمَاعِيَّةِ ، فَهِيَ كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ الَّتِي عَرَفَ النَّاسُ فَوَائِدَهَا بِالضَّرُورَةِ أَوِ الِاخْتِبَارِ وَالِاسْتِدْلَالِ ، فَهُمْ يَعْمَلُونَهَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَشَقَّةٌ مَا طَلَبًا لِفَوَائِدِهَا الَّتِي هِيَ أَرْجَحُ وَأَجْدَرُ بِالْإِيثَارِ ، ثُمَّ إِنَّ وَرَاءَ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ فِي كِتَابَةِ الدَّيْنِ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ ، وَهِيَ جَعْلُ الْمُسْلِمِينَ أُمَّةَ كِتَابٍ وَنِظَامٍ ، وَالْإِسْلَامُ بَدَأَ بِالْعَرَبِ وَهِيَ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ ، وَقَدِ امْتَنَّ عَلَيْهَا بِالرَّسُولِ الَّذِي عَلَّمَهَا الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ، فَفَرْضُ كِتَابَةِ الدَّيْنِ عَلَيْهِمْ هُوَ مِنْ وَسَائِلِ إِخْرَاجِهِمْ مِنَ الْأُمِّيَّةِ .