وأما معنى الآية: فإن الله تعالى أمر عند عدم الكاتب بأخذ الرهون، لتكون وثيقة بالأموال. واتفق الفقهاء اليوم على أن الرهن في الحضر والسفر سواء، وفي حال وجود الكاتب وعدمه. وكان مجاهد يذهب إلى أن الرهن لا يجوز إلا في السفر أخذًا بظاهر الآية، ولا يُعمل بقوله اليوم، وإنما تقيدت الآية بذكر السفر، لأن الغالب في ذلك الوقت انهم إنما كانوا يحتاجون إلى الرهن في السفر وعند عدم الكاتب، فخرج الكلام على ظاهره كقوله عز وجل: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ} [النساء: 101] وليس الخوف من شرط جواز القصر.
ثم عقد الرهن ينعقد بالإيجاب والقبول، ولا ينبرم إلا بالقبض. فإن ندم الراهن كان له فسخ الحقد قبل الإقباض، ثم يكون للبائع فسخ البيع المعقود بشرط هذا الرهن الذي صار مفسوخًا، وأما المرتهن فهو بالخيار أبدًا في فسخ الرهن ورده.
وعقد الرهن جائز من جهة المرتهن، لازم من جهة الراهن.
ومنافع الرهن للراهن، لا حق للمرتهن فيها، فإن اشترطها المرتهن صارت مداينتهما ومبايعتهما عقدًا من عقود الربا.
وارتفع قوله: (فرهان) على معنى فالوثيقة رهن، أو فعليه رهن، ويجوز أن يكون (فرهان) مبتدأ وخبره محذوف، على تقدير: فرهان مقبوضة بدل من الشاهدين، أو تقوم مقامهما، أو ما أشبه هذا، ولكنه حذف للعلم.
وقوله تعالى {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} قال اللحياني: أَمِنَ فلانٌ غيره على الشيء يَأمَنُ أَمْنًا وأمَنَةً وأَمْنَة وأمَانًا فهو آمِن، والرجل مأمون، قال الله تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ} [الأنفال: 11] ويقال:
أَمِنْتُ الرجل، إذا لم تخفه، آمنُهُ، قال الله تعالى: {قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ} [يوسف: 64] . ومن هذا: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} أي: لم يخف خيانته وجحوده الحق.