"وقال كعب: يا رسول الله ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله."
فقال:"أمسِك عليك بعض مالك فهو خير لك""قال الجوزِيّ: هذه الأحاديث مُخرّجة فِي الصحاح ، وهي على خلاف ما تعتقده المتصوّفة من أن إكثار المال حجاب وعقوبة ، وأن حبسه ينافي التوَكّل ، ولا ينكر أنه يخاف من فتنته ، وأن خلقاً كثيراً اجتنبوه لخوف ذلك ، وأن جمعه من وجهه ليعزّ ، وأن سلامة القلب من الإفتتان به تَقل ، واشتغال القلب مع وجوده بذكر الآخرة يندر ؛ فلهذا خيف فتنته."
فأما كسب المال فإن من اقتصر على كسب البُلْغَة من حلها فذلك أمر لا بدّ منه ، وأما من قصد جمعه والاستكثار منه من الحلال نُظِر فِي مقصوده ؛ فإن قصد نفس المفاخرة والمباهاة فبئس المقصود ، وإن قصد إعفاف نفسه وعائلته ، وادّخر لحوادث زمانه وزمانهم ، وقصد التوسعة على الإخوان وإغناء الفقراء وفعل المصالح أُثِيب على قصده ، وكان جمعه بهذه النية أفضل من كثير من الطاعات.
وقد كانت نيات خلق كثير من الصحابة فِي جمع المال سليمةً لحسن مقاصدهم بجمعه ؛ فحرصوا عليه وسألوا زيادته.
"ولما أقطع النبيّ صلى الله عليه وسلم الزّبِير حُضْر فرسه أجرى الفرس حتى قام ثم رمي سوطه ، فقال:"أعطوه حيث بلغ سوطه""وكان سعد بن عبادة يقول فِي دعائه: اللَّهُمَّ وسع عليّ.
وقال إخوة يوسف: {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ} [يوسف: 65] .
وقال شعيب لموسى: {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ} [القصص: 27] .
وإن أيّوبَ لما عوفِي نُثِرَ عليه رِجْلٌ من جَراد مِن ذهب ؛ فأخذ يَحْثِي فِي ثوبه ويستكثر منه ، فقيل له: أما شَبِعْتَ ؟ فقال: يا رب فقير يشبع من فضلك ؟ وهذا أمر مَرْكُوز فِي الطباع.
وأما كلام المحاسبي فخطأ يدل على الجهل بالعلم (1) ، وما ذكره من حديث كَعْب وأبي ذَرّ فمحال ، من وضع الجهّال وخفيت عدم صحته عنه للُحُوقه بالقوم.
(1) هذا الكلام يبدو فيه التحامل جليا والاتهمام بالجهل لرجل كالمحاسبى - عليه رحمة الله - محل نظر
وكان الأولى والأوفق بالقرطبي عليه رحمة الله أن يقول فِي مثل هذا الموضع: اجتهد فأخطأ ، والله تعالى أثاب المجتهد فِي كلا الحالين فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر. والله أعلم.