[لما أمرت الآية بالكتابة , ثم أمرت بالإشهاد انتقلت إلى معنى آخر متصل به , وهو النهي عن الإضرار بهما , ولم يُقصد بذكر الأول التوصل إلى ذكر الثاني , وهذا عند علماء البلاغة يسمى الاستطراد (164)
وهو مشعر بامتداد الغرض وكل ذلك يدل على خطورة الديون , وكثرة تبعاتها .
والمضارَّة هي: إدخال الغير بأن يوقع المتعاقدان الشاهدين والكاتب فِي الحرج والخسارة , أو ما يجرّ إلى العقوبة] (165)
والفعل"يضار"يجوز أن يكون مسنداً إلى الفاعل , كأنه قال لا يُضارِر....
وأن يكون مفعولاً , أي: لا يضارَر , بأن يُشغل عن صنعته , ومعاشه باستدعاء شهادته ..
بمعنى أنه يحتمل البناء للمعلوم , والبناء للمجهول , ولعل اختيار هذه المادة هنا مقصود , لاحتمالها حكمين] (166)
وعليه ؛ ففي الكلام توجيه , والتوجيه هو:"إيراد الكلام محتملاً لوجهين مختلفين"؛ كقول الله تعالى حكاية عن المشركين:"واسمع غير مسمع وراعنا".
قال الزمخشري:[غير مسمع: حال من المخاطب ؛ أي: اسمع وأنت غير مسمع , وهو قول ذو وجهين , يحتمل الذم , أي اسمع منا مدعواً عليك بـ"لا سمعت"
أو اسمع غير مجاب ماتدعو إليه] (167)
فقوله:"ولا يضار"على معنى إدخال الشاهدين والكاتب فِي الحرج , والخسارة , أو إيذائهما لشهادتهما الحقة .
وقد يفهم منه معنى آخر,وهو أن يتواطأ الشاهدان والكاتب فِي التوثيق فيضيعا حق الدائن أو المدين
[لكن الأولى بالسياق مخاطبة المتداينين بألا يضارُّوا الكاتب أو الشهيد ؛ لأنه لو كان خطاباً للكاتب أو الشهيد لقيل بعد: وإن تفعلا فإنه فسوق بكما] (168)
وقد أخذ فقهاؤنا من هاته الآية أحكاماً كثيرة تتفرع عن الإضرار:
ومنها: ركوب الشاهد من المسافة البعيدة .
ومنها: ترك استفساره بعد المدة الطويلة التي هي مظنة النسيان .
ومنها: استفساره استفساراً يوقعه فِي الاضطراب .