وأول ما يُلحظ من خلال سياقات الآيات أن النفي بـ"لا"كائن فِي الأمور التكليفية ؛ التي يظن فيها المكلف أن عليه جناحاً إذا فعلها ؛ مثل قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) (البقرة:158) .
كما أنه كائن أيضاً فِي نفي الجناح المفيد للإباحة فِي مقابل الحظر , فكل ما يصدق عليه أنه جناح يكون منفياً ؛ وذلك نحو:" (وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ(الأحزاب:51) ."
ونحو:" (لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ..) (الأحزاب:55) ."
هذا بالإضافة إلى أن النفي ب"لا"للجناح كائن فِي الغالب فِي الأمور التكليفية شديدة الحكم ؛ أي التي يكون الحكم فيها واجباً فِي مقابل محرَّم ؛ كما فِي إقامة حدود الله تعالى , أو ركن فِي مقابل باطل , كما فِي السعي بين الصفا والمروة , أو مباح فِي مقابل محرم ؛ كما فِي التعريض بخطبة النساء .
النفي بـ"ليس":
أما النفي بـ"ليس": فهو كائن فيما ليس بذنب أصلاً , وعليه فإن نفي الجناح عنه لكمال التنزيه ؛ نحو: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الأحزاب:5
والخطأ معفوُّ عنه فِي الأصل كما أنه كائن فيما لم يرد فِي مقابله نفي يُنهى عنه غالباً .
هذا بالإضافة إلى أن"ليس"تنفي الوحدة , ولا تنفي الجنس مثل"لا", ومن ثم فهي أضعف فِي النفي منها , وعليه يمكن فهم أن الجناح فِي قوله"فليس عليكم جناح ألا تكتبوها"غير مقصور , أو غير متأكد فِي نفوسهم ؛ لذلك جاء نفيه بـ"ليس"دون"لا".
وعند عرض الأسلوبين لبيان الفرق بينهما من خلال السياقات المتنوعة تبين أن جملة:
"لا جناح عليكم"تأتي فِي سياق الأحكام والفرائض .