فهذه الضمانات وإن كانت أوامر ينبغي السمع لها والطاعة , تعبداً لله تعالى إلا أن من ورائها علة عظيمة , وهي سلامة المجتمع , والمحافظة على علاقاته وروابطه , وهذا ما أكدته جملة:"وأدنى ألا ترتابوا .."
أسلوب الاستثناء فِي قوله تعالى:
(إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ)
وهذه الجملة تبين أن التجارة الحاضرة بيوعها مستثناة من قيد الكتابة , وتكفي فيها شهادة الشهود ؛ تيسيراً للعمليات التجارية التي يعرقلها التقييد , والتي تتم فِي سرعة , وتتكرر فِي أوقات قصيرة ؛ ذلك أن الإسلام وهو يشرع للحياة , قد راعى كل ملابساتها , وكان شريعةً عملية واقعية ,لا تعقيد فيها ولا تعويق لجريان الحياة فِي مجراها . (157)
ولكني ألحظ هنا فِي هذه العبارة دلالة أخرى خافية , وهي: لفت أنظار المؤمنين إلى التيسيرات فِي غير الديون , فالآية تعرض العوائق الكثيرة فِي شأن الديون , وتضع فِي الإطار نفسه الأبواب الميسرة ,والطرق الممهدة , حتى تفر النفوس من عقبات الديون إلى تيسيرات البيع الناجز .
كما أن الجملة من باب الاستثناء المنقطع , حيث فَصَلَ كلام كثير بين المستثنى والمستثنى منه , وأصل جملة الاستثناء هي:"يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلا أن تكون تجارة حاضرة ..." (158) .
ومعنى الانقطاع هنا: أن التجارة الحاضرة ليست من باب الديون فِي شيء , لكن لمّا كانت فِي حاجة إلى توثيق عقد البيع , كما يوثق عقد الديون أُلحقت التجارة بالديون من وجه احتياجها إلى توثيق , لكن توثيق عقد البيع أقل كلفة وشروطاً من عقد المداينة .
وجه البلاغة فِي وصف التجارة بالحضور والدوران:
يرى الزمخشري - رحمه الله - أن قوله: [حاضرة تديرونها بينكم] مفهوم من لفظ التجارة نفسها , ويسأل فيقول: [فإن قلت ما معنى"تجارة حاضرة"وسواء كانت المبايعة بدين أو بعين , فالتجارة حاضرة ؟