ولما كان قائل هذا الكلام هو خالق تلك النفس ، كان لابد من فهم طبيعة هذه النفوس وعلاقاتها بالمال , فهي علاقة ذات خصوصية شديدة , بحيث لا تطمئن إلا بوجود المال فِي حوزتها , أما إذا كان فِي حوزة الغير فمهما أعطيت من ضمانات ؛ فإنها لا تنفك عن الريب , وخوف الضياع .
حذف المفضل عليه:
حُذف المفضل عليه فِي الجمل الثلاث ؛ إذ التقدير:
ذلكم أقسط عند الله من عدم الكتابة .
وأقوم للشهادة من عدم التحيّز فِي الشهود .
وأدنى إلى عدم الريبة من ترك كل هذا .
[وحسن حذف المفضل عليه لكون أفعل الذي للتفضيل وقع خبراً, وتقديره: الكتب أقسط , وأقوم , وأدنى من عدم الكتب] (155) .
ووجه الحسن هنا هو اختزال التفضيل فِي تلك الألفاظ الثلاثة , حتى لا ينصرف الذهن إلا إليها , فيقبل على الأمر والنهي إقبال المحب الموقن بحكمة ما وضع من ضوابط ,وأنه فِي صالحه.
ترتيب الجمل الثلاث:
يقول أبو حيان [نسق هذه الأخبار فِي غاية الحسن ؛ إذ بدئ بالأشرف , وهو قوله:"أقسط عند الله"أي فِي حكم الله ,فينبغي أن يتّبع ما أمر به , إذ اتباعه متعلّق الدين الإسلامي , وبني عليه قوله"وأقوم للشهادة"لأن ما بعد امتثال أمر الله هو الشهادة بعد الكتابة , وجاء بقوله"وأدنى ألا ترتابوا"أخيرا ؛ لأن انتفاء الريبة مترتب على طاعة الله تعالى فِي الكتاب والإشهاد , فعنهما ينشأ أقربية انتفاء الريبة , إذ ذاك هو الغاية فِي أن لا يقع ريبة , وذاك لا يتحصل إلا بالكتب والإشهاد غالبا فيُثلج الصدر بما كتب وأشهد عليهً وما ضبط بالكتابة والإشهاد لا يكاد يقع فيه شك , ولا لبس , ولا نزاع] (156)
وهذا يؤكد أن الترتيب ترتيب تصاعدي , فبدأ بالالتزام بأمر الله تعالى , إذ هو الأساس الذي يبنى عليه , وانتهى بنفي الريبة , إذ هي العلة الملاحظة من وراء كل هذه الضوابط .