قال: لا بأس أن يشهد إن وجد علامته فِي الصك , أو خط يده .
قال ابن المبارك: استحسنت هذا جداً .
وفيما جاءت به الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم _ أنه حكم فِي أشياء غير واحدة بالدلائل والشواهد] (152)
لكن الثابت أن الإمام مالك - رحمه الله - [كان يحكم بالخط إذا عرف الشاهد خطه ... ثم رجع عن ذلك حين ظهر فِي الناس ما ظهر من الحيل , والتزوير] (153) .
وعليه , فإذا كان هناك شك فِي الشهادة خرجت الشهادة عن وجهها , وفي القرآن الكريم:
(ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا) (المائدة:108)
وبعد:
فإن الهدف الأسمى من كل هذه الضوابط سلامة الصدر بإحقاق الحق , وذلك من خلال الكتابة , والشهادة , فكأن الكتابة وحدها لاتكفي , والشهادة وحدها لا تكفي , فلا بد من اجتماع الأمرين , حتى نصل إلى نفي الريب:"وأدنى ألا ترتابوا"فالعقول تنسى , وقد تغضب فتكتم , وقد تمالئ فتجور , وما يمنعها من كل ذلك إلا الكتابة والشهادة .
قوله تعالي (وأدني ألا ترتابوا..)
والدنو هو القرب: من دنا يدنو ؛ أي أقرب إلي عدم الارتياب ،[والارتياب شك مع تهمه ، فإنك
تقول إني مرتاب فِي فلان ، إذا شككت فِي أمره ، واتهمته ، والارتياب أمر قلبي ، ومع ذلك استخدم معه لفظ"أدني"، وهو مخصوص بالقرب المكاني ؛ لأنه:"لا يكون إلا فِي المسافة بين شيئين"] (154) .
وفي ذلك إخراج للمعنوي ، وهو الارتياب فِي صورة المحسوس ؛ لأن هذا المعنوي يترك أثاره علي الحواس من غضب ونحو ذلك .
ويبقي السؤال:
هل بعد كل هذه الضوابط لا تنتفي الريبة انتفاءً كاملاً ؛ فيقال"وأدني ألا ترتابوا"، ولا يقال وانفي للريبة ؟
إن هذا يعطي معنيً مهماً, وهو أنه بالرغم من كل هذه الضمانات إلا أن نفس الإنسان تظل فِي قلق وتوجس من ضياع هذا المال ؛ فهي بعد كل هذا تقترب من الضمان ، لكنها لا تحصل علي الضمان التام