وكأن النهي هنا"نهي عن أثر السأم , وهو ترك الكتابة ؛ لأن السآمة تحصل للنفس عن غير اختيار , فلا يُنهى عنها فِي ذاتها".
وعليه , فإن الأمر بالكتابة آكد من ذي قبل ؛ لأن الصغير والكبير من الديون داخل فِي دائرة النهي .
كما يلحظ فِي دلالة الكناية هنا التحرز من وصف المؤمنين بصفةٍ التصقت بالمنافقين , وهي الكسل ؛ فحين قال الله تعالى فِي وصف المنافقين: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى) (النساء:142) آثر أن يجنب المؤمنين وصفهم بالصفة التي اشتهر بها المنافقون ؛ تكريماً لهم , فقال"ولا تسأموا"بدلاً من - ولا تكسلوا .
وهذا الفعل _ تسأموا - قد يرد لازماً , وقد يتعدى بحرف الجر , وقد يتعدى بنفسه , وذلك نحو"وهم لا يسأمون" (فصلت 38) , ونحو"لا يسأم الإنسان من دعاء الخير" (فصلت 49) وقد يتعدى بنفسه كما هو فِي الآية هنا"ولا تسأموا أن تكتبوه .."
ودوران الفعل بين اللزوم , والتعدي بحرف , والتعدي بنفسه يشير إلى دورانه بين القوة والضعف , وهذا يعني أن السأم فِي الآية سأم شديد , فنهي عن هذا السأم الشديد الناتج من كثرة الكتابة , أو من قلة الدين .
وأوقع الفعل على المفعول المؤول دون الصريح , فقال: ولا تسأموا أن تكتبوه"دون"كتابته", إيماءً إلى أن كتابته تكون مرة واحدة , وتنتهي مهمة التوثيق , أما إضمار المكتوب , وعدم إظهاره فِي"أن تكتبوه"فللإشارة إلى ثقله على النفوس , ورغبتها فِي إخفائه , وعدم الكشف عنه , أو أن الضمير يُذكِّر المتعاملَين بالديْن وبالحق معاً ؛ إذ يمكن إرجاعه إلى كل منهما , أي ولا تسأموا أن تكتبوا الحق , وهذا من الإيجاز البديع ."
وجه التعبير بالصغير والكبير:
التعبير بهما يفيد الإحاطة والشمول لكل دين , وقد بدأ بالصغير ؛ لأنه الأقرب إلى التهاون والكسل فِي كتابته , فأراد تعميم الكتابة , فبدا بما يمكن الكسل فيه .