قال:كذلك يجب على الكاتب أن يجيب,ولا يجب على الشاهد أن يشهد ,فالشهداء كثير" (126) ."
فقوله:"الشهداء كثير": محمول كما لا يخفى على التحمل , وليس الأداء .
المجاز المترتب على تقدير المحذوف:
إذا كان الأمر متعلقاً بتحمل الشهادة , فكيف يجوز إطلاق اسم الشهداء عليهم من قبل ؟
لقد ذهب الطبري إلى عدم جواز هذا فقال:"غير جائز أن يلزمهم اسم الشهداء , إلا وقد استشهدوا قبل ذلك , فشهدوا على ما ألزمهم شهادتهم عليه اسم الشهداء , فأما قبل أن يستشهدوا على شيء فغير جائز أن يقال لهم شهداء ؛ لأن ذلك الاسم لو كان يلزمهم , ولما يستشهدوا على شيء يستوجبون بشهادتهم عليه هذا الاسم , لم يكن على الأرض أحد له عقل صحيح إلا وهو مستحق أن يقال له: شاهد , بمعنى أنه سيشهد , أو أنه يصلح لأن يشهد ."
وعليه كان معلوماً أن المعنيّ بقوله:"ولا يأب الشهداء"مَنْ وصفنا صفته ممن قد شهد فدُعي إلى القيام بها ؛ لأن الذي لم يشهد غير مستحق اسم شهيد , ولا شاهد". (127) "
والأمر - كما أرى - أبسط من كل هذا ؛ لأن من الأصول المعتمدة فِي علم البلاغة أن الشيء يجوز تسميته باسم ما يؤول إليه على سبيل المجاز المرسل , الذي علاقته اعتبار ما سيكون ؛ مثل قوله تعالى: (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً) (يوسف:36) .
وهو ما عليه الأمر هنا . (128) .
وعليه , يجوز تسمية الرجال باسم الشهداء ؛ لأنهم سيصيرون شهداء , وفي ذلك نكتة , وهي أنهم بمجرد دعوتهم إليها فقد تعينت عليهم الإجابة فصاروا شهداء . (129)
كما لا يخفى أن فيها تحريضاً لهم بالمدح بهذا اللقب , بالإضافة إلى أنهم ذو خبرة , ومجربون فِي الشهادة .
يقول ابن عاشور:"وإنما جيء فِي خطاب المتعاقدين بصيغة الأمر , وجيء فِي خطاب الشهداء بصيغة النهي ؛ اهتماماً بما فيه التفريط ؛ فإن المتعاقدين يُظن بهما إهمال الإشهاد , فأُمرا به ."
والشهود يُظن بهم الامتناع فنهوا عنه , وكل يستلزم ضده" (130) ."