لكن قوله:"شهيدين"فيه من الشهرة ما لا يوجد فِي"فرجل وامرأتان"؛ إذ الأصل فِي المرأة عدم الشهرة , وإن كان لا يمنع تجربة الشهادة عليها ؛ ولذلك زيد بعد الوصف قوله:"من الشهداء", ولم يقل - من المسلمين , أو من الناس - .
فهذا يعني أن الرضا هنا رضا شهادة سابقه ، كما أن تمام الوصف قوله من الشهداء ـوقيل اللفظ المذكر إما تغليباً كما هي عادة العربية ، أو إشارة إلي أن الأصل فِي الشهود أن يكونوا رجالاً.
ويلحظ هنا أن الكلام جاء بالأسلوب الصريح المكشوف الخالي من الصور البلاغية ، أو اللون البديعي ؛ وذلك لأن السياق يحتاج إلي هذا الوضوح والصراحة فِي هذه المعاملة ؛ فالأخذ والعطاء والكتابة والشهادة كلها أمور تحتاج إلي هذه الشفافية .
لكن الزمخشري عدّ هذا اللفظ من قبيل المجاز المرسل ؛ حيث قال:"وقيل لهم:شهداء قبل التحمل تنزيلاً لما يشارف منزلة الكائن" (113)
يعني: أن العلاقة هنا اعتبار ما سيكون , كما فِي قوله تعالى:"إني أراني أعصر خمراً".
فلما كانوا قبل الشهادة ليسوا شهوداً أطلق اللفظ عليهم , باعتبار أنهم سيكونون شهودا ً .
وهذا وإن كان مقبولاً شكلاً إلا أنه لا يتناغم مع السياق الرامي إلى البحث عن رجل وامرأتين , ذات صفات مخصوصة .
منها: قبولهما عند كلٍّ من الدائن , والمدين .
ومنها: تجريب الشهادة عليهما من قبل .
وكل من الأمرين متعلق بالآخر كما لا يخفى .
أثر القراءات فِي تصوير المعنى فِي جملة:
"أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى"
"اختلف القراء فِي قراءة هذه الجملة ؛ فقرأ عامة أهل الحجاز , والمدينة , وبعض أهل العراق:"أن تضل إحداهما فتذكرَ إحداهما الأخرى", بفتح الألف من"أن"ونصب"تضل"و"تذكرَ"؛ بمعنى: فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان كي تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت ."
فهو عندهم من المقدم الذي معناه التأخير ؛ لأن التذكير عندهم هو الذي يجب أن يكون مكان"تضل"