إن القرآن الكريم - والذي تمثل آية المداينة لبنة من لبناته - معنيٌ بتثبيت الحكم , كما أنه معنيٌ فِي الوقت نفسه بتهيئة القلوب لتقبّل هذا الحكم ؛ ولتقتنع به , وتقبل عليه إقبال الشغوف , وليس من البلاغة بيان الحكم دون تهيئة النفوس لاستقباله , كما أنه ليس من البلاغة أيضاً الكشف عن المعاني الوجدانية الآسرة للقلوب الباعثة على الأريحية دون تحديد المراد .
والمقصود من الكلام أن البلاغة العالية هي التي تمزج بين الرافدين: بين أحكام الشريعة الضابطة لحركة الحياة , والمعاني الروحية الباعثة على النشاط للتمسك بهذه الأحكام .
(من هنا كان المعنى القرآني مزيجا متفاعلاً من عنصرين: التشريعي - وينطوي فيه العَقَدي - والروحي ؛ الماثل فِي غرس القناعة الفكرية , والطمأنينة الوجدانية بهذا العنصر التشريعي فِي قلب المكلَّف .
ولا تكاد تجد معنى قرآنيا إلا وهو وليد التفاعل بين هذين العنصرين , على اختلاف فِي مقادير هذين العنصرين ودرجات ظهورها .
وقد يظن أن ثم ما هو مشغلة الفقهاء وحدهم , وهو المسمى بآيات الأحكام , ولا سبيل للبلاغي إلى تدبره إذ إن مشغلة البلاغي عندهم المعاني الروحية , وأن ثمة ما هو مشغلة البلاغيين دون الفقهاء كالقصص القرآني .
وذلك نهج خاطئ , إن لم يكن آثما ؛ فما من آية إلا قد تَشكَّل معناها من الشرع والروح معاً , ومنزلها من السياق الكلي للسورة هو الذي يبرز عنصرا على آخر , وبناؤها اللغوي هو الذي يمنح عنصرا جلاءً وقرباً إلى الإدراك دون الآخر . (13)