فهذا هو أصل المعاملات , وهو بداية القسم التشريعي فِي سورة البقرة , بعد القسم العقدي , والذي بدأ بقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:21) .
فكأن السورة يمكن جمعها فِي سطرين ؛ حيث جاءت نداءً للناس كافة بأمرين:
الأول: عبادة الله تعالى , والآخر: أكل الحلال .
وفي السياق التشريعي جانب كبير يتعلق بالأموال , والمكاسب المالية , ثم جانب آخر يتعلق بالإنفاق , ودار السياق على هذين المحورين:
1 -مصدر المال
2 -إنفاق المال .
والملاحظ أن هناك خطابين:
الأول: للجميع بلفظ (الناس) وهو (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (البقرة:168) .
والآخر: جاء للمؤمنين , وقد فصل هذا الأخير إلى قسمين: (أمر ونهي) .
فقيل فِي الأمر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) (البقرة:172)
وقيل فِي النهي: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (البقرة:188) .
وهذه دعائم ثلاث توضح المرتكزات التي تُبنى عليها القواعد الاقتصادية , وقد صيغت فِي قالب الجمع , ثم التقسيم: الجمع فِي قوله (يا أيها الناس) .
والتقسيم فِي قوله (يا أيها الذين آمنوا كلوا) , ثم , (ولا تأكلوا أموالكم) .
ثم جاء بعد ذلك حديث عن الإنفاق , وهو الركيزة الثانية , أو الجناح الآخر للاقتصاد .
فالاقتصاد (كسب , وإنفاق) ؛ فقيل أولاً: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة:195) .