يقول أستاذنا محمود توفيق - حفظه الله -: قصة البقرة مثلاً لم ترد فِي غير سورة البقرة وكذلك قصة هاروت وماروت , وقصة تحويل القبلة , وفريضة الصيام وبيان أحكامه , وقصة طالوت وجالوت , وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت , وقصة الذي حاج إبراهيم فِي ربه , وقصة الذي مرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها , وقصة إبراهيم والطير , وكذلك أحكام المداينة (7) .
والذي يعنينا هنا هو آية المداينة .
وبالنظر فِي تلك المقاصد التي اختصت بها السورة دون غيرها يلحظ أنها وضعت فِي إطار القصة عدا الحديث عن الصيام وعن المداينة ؛ فقد جاءا فِي إطار قوله (كُتب عليكم) .
أما الصيام فقد كتبه الله تعالى علينا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183) .
وأما المداينة فلقد أُمرنا بكتابتها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ) (البقرة:282) .
أما وجه اختصاص السورة بآية المداينة فيقف من ورائه عدة أسباب:
منها: أن السورة جمعت بين الكليات الخمس التي جاء الإسلام لحفظها , وهي (الدِّين _ والنسل _ والعقل _ والنفس _ والمال) وحفظ المال يشمل وضع الضوابط للتداين حتى لا يضيع بعجز المدين أو مماطلته .
ومنها: أن المعاني التي حوتها سورة البقرة تمثل الركائز التي يقام عليها بنيان الأمة , ومن أخطرها المعاملات المادية ؛ فكان البدء بها فِي أول سورة قرآنية من الضرورة بمكان .
سادساً: السياق العام والخاص للآية
لكل آية قرآنية عدة سياقات: سياق مباشر يتعلق بالمعاني الجزئية المحيطة بالآية .
وسياق أشمل داخل السورة يستعرض المعاني التي تناولتها , وعلاقاتها بالآية محل البحث .