وكذلك الشهود والكاتب: لأنهم وسطاء بين متناكرين فِي الغالب , والأصل فِي الشهود أنهم لا يأخذون عوضاً عن شهادتهم ؛ فالذي يدفعهم إلى الشهادة غالباً إيمانهم بالبعث والحساب .
وهكذا اتصلت الآية بالإيمان بالبعث اتصالاً وثيقاً .
كما أن اسم السورة (البقرة) وهي حادثة حدثت بين موسى عليه الصلاة والسلام وقومه حين جادلوه فِي ذبح البقرة وقالوا: (أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً) (البقرة:67)
فكأنهم حين أنكروا الغيب أنكروا ذبح البقرة ؛ إذ لا علاقة _ فِي نظرهم _ بين ذبح البقرة ومعرفة القاتل , ولو أنهم آمنوا بالغيب لما سألوا عن ماهيتها , ولونها , وتحديدها ..إلخ .
ومن هنا يتبين لنا أن قصة البقرة ذات علاقة وثيقة بالإيمان بالغيب ؛ ذلك لأن البقرة كانت سبباً فِي عدة أمور ؛ منها: إحياء الميت , وانفراج الغم الذي أحاط بالناس , والأهم من كل ذلك تعليم بني إسرائيل أن الإيمان بالغيب يستوجب التجرد من الأساليب الظاهرة .
كما أن هذا الاسم يحمل تحذيراً من منهج اليهود فِي المجادلة , وتنبيهاً على خطأ أسلوبهم الذي استخدموه مع رب العزة ومع أنبيائه .
أضف إلى ذلك أن حادثة البقرة كانت لإظهار الحق وحفظه من الضياع , كما هو حال آية الدين .
فالبقرة أظهرت الحق فِي الدماء ,
وآية الدين تظهر الحق وتحفظه فِي شأن الأموال والديون .
خامساً: وجه اختصاص سورة البقرة بآية الدين
في القرآن الكريم قد ترى المعنى الواحد مبثوثاً ومصروفاً فِي أكثر من سورة , لكن هناك معانٍ لم تذكر إلا فِي سورة واحدة ولا شك أن هذا المعنى الفريد له علاقة وثيقة بمقصود السورة الأعظم , بل إن هذا المعنى يعدُّ رافدا من روافد الوصول إلى هذا المقصود الأعظم .