الاستشراف إلى الوقوف عليها (1) . . وهكذا .. حتى يظهر بالفعل مصداق كلمة الشيخ ولي الله الملوي فِي آيات الذكر الحكيم: (( إنها على حسب الوقائع تنْزيلاً ، وعلى حسب الحكمة ترتيباً ) ) (2) .
وعلى الرغم من هذه الإجادة من البقاعي - رحمه الله وأحسن إليه - فِي هذا الوجه من التناسب ؛ إلا أنني أرى أن الأستاذ الأديب الذواقة سيد قطب - رحمه الله - هو أقرب من تعرضوا لهذه الآيات إلى إصابة المحزِّ فِي بيان تساوق آيات السورة كلها فِي الإشارة إلى مقصدٍ كليٍّ .. وذلك حين يشدًّ آيات السورة كلها إلى معنى أساسي واحد تجتمع عليه ، وترتدُّ إليه ، وهو معنى (( الجِدِّ الخالص ) )الذي ينبغي أن يُنظر إلى هذا الدين كله - بتعاليمه ، وعقائده ، وأحكامه - على أساسٍ منه .. يقول - رحمه الله - فِي مقدمة السورة:
.. وفي ثنايا السورة وحقائقها ومشاهدها تعترض أربع آياتٍ تحتوي توجيهاً خالصاً للرسول صلى الله عليه وسلم ، وتعليماً له فِي شأن تلقي هذا القرآن ، ويبدو أن هذا التعليم جاء بمناسبةٍ حاضرة فِي السورة ذاتها ؛ إذ كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخاف أن ينسى شيئاً مما يوحى إليه ، فكان حرصه على التحرُّز من النسيان يدفعه إلى استذكار الوحي فقرةً فقرةً فِي أثناء تلقيه ، وتحريك لسانه به ليستوثق من حفظه ، فجاءه هذا
(1) انظر نص القاعدة فِي نظم الدرر: 1/18 ، وقد سبقت معنا فِي المبحث الخامس ، وقد نصَّ البقاعي فِي مصاعد النظر (1/37) على أنها مما تفرد بسماعه عن شيخه أبي الفضل المغربي ؛ إذ لم يسمعها منه غيره - كما قال - ، وقال عقب ذلك: (( لو كنت ممن يتشبع بما لم يُعطَ ، لم أنسبها إليه ، فإنها أحسنُ من كل ما فِي كتابي ، وهي الأصل الذي ابتني ذلك كله عليه ) )رحمهما الله جميعاً .
(2) نظم الدرر ، 1/8 ، وكذلك: البرهان ، 1/37