وقال الظاهرية: إن الأمر هنا للوجوب، ومن لم يفعل كان آثمًا، ذلك لأن الأصل في الأمر أنه للوجوب، ولا يخرج عن الوجوب إلى غيره إلا بدليل من النصوص، ولم يوجد الدليل؛ ولأن طلب الكتابة تأكد بطرق عدة؛ منها النص على الكتابة في الصغير والكبير من الديون بقوله تعالى: (وَلا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ) ومنها النص على أنه الأقسط والأقوم للشهادة، والأدنى للمنع من الارتياب؛ ومنها التعميم واستثناء صورة واحدة، وهي حال التجارة الدائرة بين التجار، وقصر نفي الإثم عليها دون غيرها، فإنه إذا كان نفي الإثم مقصورًا على هذه الحال فمعنى ذلك أن الإثم ثابت في غيرها، وإن الائتمان لَا يتنافى مع الكتابة،
بل إنه مع الكتابة الائتمان قائم، على أن قوله تعالى: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ. . .) ، سيق في حال السفر عند تعذر الكتابة.
هذا وإن تصدير الآية الكريمة بالنداء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا) يشير إلى أمرين:
أحدهما: أنه ليس من مقتضى الإيمان أن تلزموا المساجد والصوامع، بل إن الإيمان أن تهذبوا نفوسكم، وترهفوا وجدانكم وتشعروا بمراقبة ربكم، لتكون دنياكم فاضلة، ويكون تعاملكم، وإدارة المال بينكم على نهج ديني فاضل، فالمال ليس طلبه ممنوعا، بل إنه من طريقه الحلال مشروع ومطلوب.
الأمر الثاني: أن الإسلام ليست أوامره مقصورة على العبادات، بل جاء لتنظيم المعاملات، بل إن العبادات فيه طريق لإصلاح التعامل الإنساني؛ وكذلك كل الأديان السماوية، فإنه من الجهل الادعاء بأن الأديان جاءت لتنظيم العلاقة بين العبد والرب فقط، ولا تتدخل في العلاقة بين الإنسان والإنسان.