وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ كَاتِبَ الْعُقُودِ وَالْوَثَائِقِ بِمَنْزِلَةِ الْمَحْكَمَةِ الْفَاصِلَةِ بَيْنَ النَّاسِ ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَخُطُّ بِالْقَلَمِ أَهْلًا لِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أَهْلُهُ مَنْ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ قَاضِيَ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ . وَقَالَ: إِنَّ مَا ذُكِرَ فِي وَصْفِ الْكَاتِبِ إِرْشَادٌ مِنَ اللهِ - تَعَالَى - لِتِلْكَ الْأُمَّةِ الْأُمِّيَّةِ إِلَى نِظَامٍ مَعْرُوفٍ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ كَاتِبُ الدُّيُونِ عَادِلًا عَارِفًا بِالْحُقُوقِ وَالْأَحْكَامِ فِيهَا حَتَّى لَا يَقَعَ التَّنَازُعُ بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا يَكْتُبُهُ ، وَإِرْشَادٌ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنَّ يَكُونَ فِيهِمْ هَذَا الصِّنْفُ مِنَ الْكُتَّابِ ، فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ شَرْعِيَّةٌ لِإِيجَادِ الْمُقْتَدِرِينَ عَلَى كِتَابَةِ الْعُقُودِ ، وَهُوَ مَا يُسَمُّونَهُ الْيَوْمَ: الْعُقُودَ الرَّسْمِيَّةَ ، وَيَتَحَتَّمُ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْكِتَابَةَ وَاجِبَةٌ . قَالَ: وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْكَاتِبَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ - وَإِنْ كَانَا يُحْسِنَانِ الْكِتَابَةَ - لِئَلَّا يُغَالِطَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَوْ يَغُشَّهُ وَكَأَنَّ هَذَا أَمْرٌ حَتْمٌ ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ الْآنَ ، فَإِنَّ لِلْعُقُودِ الرَّسْمِيَّةِ كُتَّابًا يَخْتَصُّونَ بِهَا . أَقُولُ: وَفِي قَوْلِهِ: وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ إِلَخْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَالِمَ بِمَا فِيهِ مَصْلَحَةُ النَّاسِ يَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا دُعِيَ إِلَى الْقِيَامِ بِهَا أَنْ يُجِيبَ الدَّعْوَةَ ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَكْتَفِ بِالنَّهْيِ عَنِ الْإِبَاءِ عَنِ الْكِتَابَةِ ، بَلْ أَمَرَ بِهَا أَمْرًا صَرِيحًا فَقَالَ: فَلْيَكْتُبْ وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ