(واستشهدوا شهيدين) الاستشهاد طلب الشهادة وسمَاهما شهيدين قبل الشهادة من مجاز الأول أي باعتبار ما يؤول إليه أمرهما من الشهادة (من رجالكم) أي كائنين من المسلمين فيخرج الكفار، ولا وجه لخروج العبيد عن هذه الآية فهم إذا كانوا مسلمين من رجال المسلمين، وبه قال شريح وعثمان البتي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وجمهور العلماء: لا تجوز شهادة العبد لما يلحقه من نقص الرق، وقال الشعبي والنخعي: تصح في الشيء اليسير دون الكثير، واستدل الجمهور على عدم جواز شهادة العبد بأن الخطاب في هذه الآية مع الذين يتعاملون بالداينة، والعبيد لا يملكون شيئاً تجري فيه المعاملة،
ويجاب عن هذا بأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وأيضاً العبد تصح منه المداينة وسائر المعاملات إذا أذن له مالكه بذلك.
وقد اختلف الناس هل الإشهاد واجب أو مندوب؟ قال أبو موسى الأشعري وابن عمر والضحاك وعطاء وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد ومجاهد وداود بن علي الظاهري وابنه أنه واجب، ورجحه ابن جرير الطبري، وذهب الشعبي والحسن ومالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه أنه مندوب.
وهذا الخلاف بين هؤلاء هو في وجوب الإشهاد على البيع واستدل الموجبون بقوله تعالى (وأشهدوا إذا تبايعتم) ولا فرق بين هذا الأمر وبين قوله (واستشهدوا) فيلزم القائلين بوجوب الإشهاد في البيع أن يقولوا بوجوبه في المداينة.
(فإن لم يكونا رجلين) أي الشاهدان أي بحسب القصد والإرادة أي فإن لم يقصد إشهادهما ولو كانا موجودين (فرجل وامرأتان) أي فليشهد رجل وامرأتان أو فرجل وامرأتان يكفون، كائنون (ممن ترضون) دينهم وعدالتهم حال كونهم (من الشهداء) .
وفيه أن المرأتين في الشهادة برجل، وأنها لا تجوز شهادة النساء إلا مع الرجل لا وحدهن إلا فيما لا يطلع عليه غيرهن للضرورة.