الوجه الأول قوله تأكيدًا؛ إذ النهي عن الشيء أمر بضده إذا كان واحدًا وهنا كَذَلكَ.
قوله:(ويجوز أن يتعلق الكاف بالأمر فيكون النهي عن الامتناع منها مطلقة ثم الأمر بها
مقيدة)أي كاف كما علمه الله بالأمر أي أن يكون معمولًا لقوله (فَلْيَكْتُبْ) هذا بناء عَلَى أن الفاء
لا يمنع من تعلق ما قبلها بما بعدها لأنه مثل قَوْلُه تَعَالَى (وَرَبَّكَ فَكَبّرْ) لإفادة
معنى الشرط فكأنه قال وما يكن من شيء فَلْيَكْتُبْ كما علمه الله وفي الشرط خصوصية لا
يسنكر إعمال ما بعد الفاء فيما قبله، وإن امتنع في غير هذا المَوْضع. وتحقيق ذلك في المطول
في بحث متعلقات الْفعْل، ولنوع تكلف فيه أخَّره وضعفه. قوله مطلقة أي غير مقيدة بقوله(كما
علمه الله)ثم الأمر وهو فَلْيَكْتُبْ بها أي بالْكِتَابَة مقيدة بقوله (كما علمه الله) إذ كما علمه الله
معمول له إما مَفْعُول به أو الْمَفْعُول المطلق عَلَى أن (مَا) موصولة أو مصدرية.
قوله:(وليكن المملي من عليه الحق لأنه المقر المشهود عليه، والإِملال والإِملاء
واحد)يعني أن قوله وليملل الْمُرَاد به طلب كون المملي أي من حمل الكاتب عَلَى الْكِتَابَة
من عليه الحق أي المديون لا طلب الإملاء منه؛ إذ الأمر بالإملاء والْكِتَابَة قد تم بقوله
(فاكتبوه) والإملال والإملاء واحد وهو الْكِتَابَة قيل والإملال بمعنى الإلقاء عَلَى الكاتب ما
يكتبه وفعله أمللت ثم أبدل أحد المضاعفين ياء وتبعه المصدر فيه وأبدلت همزة لتطرفها
بعد ألف زائدة، وقد صرح بعض الأفاضل أنهما بمعنى الْكِتَابة لكن الْمُرَاد به هنا ما ذكره
القائل وهو إلقاء عَلَى الكاتب ما يكتبه.
قوله: (أي المملي) وهو من حمل الكاتب عَلَى الْكِتَابة بإلقائه ما يكتبه.
قوله: (أو الكاتب) قرينة واضحة عليه، فالمملي هنا ليس بمعنى الكاتب وإن استعمل
فيه في بعض المواضع.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
النهي عن امتناع مطلق الْكِتَابَة لا يدل عَلَى الأمر بالْكِتَابة المقيدة قيل فيه نظر لأنه إذا كان الامتناع
عن مطلق الْكِتَابَة منهيًا بطَريق الأولى والنهي عن الامتناع عن الْكِتَابَة الشرعية أمر بها فيكون الأمر
بالْكِتَابَة الشرعية صريحًا للتوكيد، وأَيْضًا إذا ورد مطلق ومقيد يحمل المطلق عَلَى المقيد سواء تقدم
المطلق أو تأخّر فكما حمل الأمر بمطلق الْكِتَابَة في الوجه الأول عن الْكِتَابَة المقيدة ليفيد التَّأْكيد
فلم لم يحمل النهي عن الامتناع عن مطلق الْكِتَابَة عَلَى الْكِتَابَة المقيدة للتأكيد.
قوله: وليكن المملي من عليه الحق. وفي الكَشَّاف ولا يكن المملي إلا من وجب عليه الحق.
قيل معنى الحصر مُسْتَفَاد من تعليق الحكم بالوصف فإن ترتيب الحكم عَلَى الوصف مشعر بالعلة
والأصل عدم علة أخرى.