وقوله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} أن تتعلق بفعل مضمر، دل عليه ما قبله من الكلام، وذلك أن قوله: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} يدل على: فاستشهدوا رجلًا وامرأتين، فتعلق أن إنما هو بهذا الفعل المدلول عليه، ويجوز أن يتعلق الشيء بما ذكرنا من الفعل المقدر، في قول الفراء وأبي الحسن وهو: فليكن رجل وامرأتان، ويجوز أن يتعلق بشيء ثالث، وهو الخبر المضمر فيمن جعل التقدير: فرجل وامرأتان يشهدون.
وقوله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ} قال ابن عباس وجميع أهل التفسير والمعاني: تَضلّ: تنسى، والضلال يكون بمعنى النسيان؛ لأن الناسي للشيء عادل عنه وعن ذكره، قال الله عز وجل: {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء: 20] أي: الناسين الذين ضلوا وجه الأمر، ومن هذا قولهم: ضَلِلْتُ الطريق والدار أَضِلُّه ضلالًا: إذا لم تدر أين هو، قال الفرزدق:
ولَقَدْ ضَلَلْتَ أباَكَ يَدْعُو دَارِمًا ... كضَلالِ مُلْتَمِسٍ طَرِيقَ وَبَارِ
وقال أبو عمرو: أصل الضلال في اللغة: الغيبوبة.
وقوله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} أي: تغيب عن حفظِها، أو يغيب حفظُها عنها، وإحدى: تأنيث الواحد.
قال أبو علي: أنثوه على غير بنائه، و (إحدى) لا تستعمل إلّا مضمومة إلى غيرها ومضافة، لا يقولون: رأيت إحدى، ولا جاءني إحدى. وروى أبو العباس عن ابن الأعرابي قال: يقال: أحد في جمع إحدى. يقال: فلان إحدى الإحد، وأحَدُ الأَحَدِيْن، وواحِدُ الآحَاد، كما يقال: واحد لا مثل له، وأنشد:
حتى استثاروا بي إحْدَى الإِحَدِ ... لَيْثًا هِزَبْرًا ذا سِلاحٍ مُعْتَدِي