وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ كَذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَهُ بِتَسْكِينِ الذَّالِ مِنْ «تُذَكِّرَ» وَتَخْفِيفِ كَافِهَا، وَقَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي تَأْوِيلِ قِرَاءَتِهِمْ إِيَّاهُ كَذَلِكَ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُوَجِّهُهُ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: فَتُصَيِّرُ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ذَكَرًا بِاجْتِمَاعِهِمَا، بِمَعْنَى أَنَّ شَهَادَتَهَا إِذَا اجْتَمَعَتْ وَشَهَادَةُ صَاحِبَتِهَا جَازَتْ، كَمَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ مِنَ الذُّكُورِ فِي الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَةً غَيْرُ جَائِزَةٍ فِيمَا جَازَتْ فِيهِ مِنَ الدُّيُونِ إِلَّا بِاجْتِمَاعِ اثْنَتَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ وَاحِدٍ، فَتَصِيرَ شَهَادَتُهُمَا حِينَئِذٍ مَنْزِلَةَ
شَهَادَةِ وَاحِدٍ مِنَ الذُّكُورِ، فَكَأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي قَوْلِ مُتَأَوِّلِي ذَلِكَ بِهَذَا الْمَعْنَى صَيَّرَتْ صَاحِبَتَهَا مَعَهَا ذَكَرًا؛ وَذَهَبَ إِلَى قَوْلِ الْعَرَبِ: لَقَدْ أَذْكَرَتْ بِفُلَانٍ أُمُّهُ، أَيْ وَلَدَتْهُ ذَكَرًا، فَهِيَ تُذْكِرُ بِهِ، وَهِيَ امْرَأَةٌ مُذْكِرَةٌ إِذَا كَانَتْ تَلِدُ الذُّكُورَ مِنَ الْأَوْلَادِ وَهَذَا قَوْلٌ يُرْوَى عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:"لَيْسَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} مِنَ الذِّكْرِ بَعْدَ النِّسْيَانِ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الذِّكْرِ، بِمَعْنَى أَنَّهَا إِذَا شَهِدَتْ مَعَ الْأُخْرَى صَارَتْ شَهَادَتُهُمَا كَشَهَادَةِ الذَّكَرِ"
وَكَانَ آخَرُونَ مِنْهُمْ يُوَجِّهُونَهُ إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى الذِّكْرِ بَعْدَ النِّسْيَانِ
وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ: (إِنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرُ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) بِكَسْرِ «إِنْ» مِنْ قَوْلِهِ: (إِنْ تَضِلَّ) وَرَفْعِ «تُذَكِّرُ» وَتَشْدِيدِهِ، كَأَنَّهُ بِمَعْنَى ابْتِدَاءِ الْخَبَرِ عَمَّا تَفْعَلُ الْمَرْأَتَانِ، إِنْ نَسِيَتْ إِحْدَاهُمَا شَهَادَتَهَا تُذَكِّرُهَا الْأُخْرَى مِنْ تَثْبِيتِ الذَّاكِرَةِ النَّاسِيَةِ وَتَذْكِيرِهَا ذَلِكَ، وَانْقِطَاعِ ذَلِكَ عَمَّا قَبْلَهُ.