وأقل ما يعنيه هذا المعيار الدقيق أنَّ وجه المناسبة بين الآيات أو بين السور يخفى تارةً ويظهر أخرى ، وأن فرص خفائه تقل بين الآيات ، وفرص ظهوره تندر بين السور ، ذلك بأن الكلام قلَّما يتم بآية واحدة ، فتتعاقب الآيات فِي الموضوع الواحد تأكيداً وتفسيراً ، أو عطفاً وبياناً ، أو استثناءً وحصراً ، أو اعتراضاً وتذييلاً .. حتى تبدو الآيات المتعاقبات كالنظائر والأتراب )) (1) .
ثم قال الشيخ رحمه الله: .. وما على قارئ القرآن ليستبين وجه التناسب بين الآيات إلا أن يحتكم إلى ذوقه الأدبي تارة ، ومنطقه الفطري تارةً أخرى . وحينئذ يقع على ربط عام أو خاص ، ذهني أوخارجي ، عقلي أو حسى أو خيالي ، من غير أن تقوم لهذه الألفاظ فِي نفسه مدلولات اصطلاحية أو فلسفية ، فكثيراً ما يدور التلازم بين الآيات دوران العلة والمعلول ، فإن لم تتلاق ، ويستلزم بعضها بعضاً ، تقابلت الأضداد .. كذكر الرحمة بعد ذكر العذاب ، ووصف الجنة بعد وصف النار ، وتوجيه القلوب بعد تحريك العقول ، واستخلاص الموعظة بعد سرد الأحكام* (...) واستناداً إلى هذا المنطق الفطري ، الذي يقتنص أوجه التناسب بين الآيات برشاقة وخفة ، نحسب أن فرص الغموض فِي استجلاء هذه الوجوه لا تكثر إلا فِي الروابط بين السور ، ولو وقع إلينا كتاب أبي جعفر بن الزبير (البرهان فِي مناسبة ترتيب سور القرآن) * * ؛ لرأينا أنماطاً من هذا الغموض ،
(1) مباحث فِي علوم القرآن ، د . صبحي الصالح ، دار العلم للملايين - بيروت ، ط 10/ 1977م ، ص 151 ، 152 .
* انظر قريباً من ذلك فِي الإتقان: 2/978
* * أشار إليه البقاعي والزركشي والسيوطي ، وغيرهم ممن ذكر الكتب المصنفة فِي هذا العلم .. وقد سبق معنا كذلك.