* وبعد هذا الضبط والتمييز والتحديد .. أخذ ابن تيمية يعدد حالات البينات والشهادات التي يجوز للقاضى الحاكم الحكم بناء عليها .. فقال:"إنه يجوز للحاكم - [القاضى] - الحكم بشهادة الرجل الواحد إذا عرف صدقه في غير الحدود، ولم يوجب الله على الحاكم ألا يحكم إلا بشاهدين أصلاً، وإنما أمر صاحب الحق أن يحفظ حقه بشاهدين، أو بشاهد وامرأتين، وهذا لا يدل علىأن الحاكم لا يحكم بأقل من ذلك، بل قد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالشاهد واليمين، وبالشاهد فقط، وليس ذلك مخالفاً لكتاب الله عند من فهمه، ولا بين حكم الله وحكم رسوله خلاف .. وقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة الأعرابى وحده على رؤية هلال رمضان، وتسمية بعض الفقهاء ذلك إخباراً، لا شهادة، أمر لفظى لا يقدح في الاستدلال، ولفظ الحديث يردّ قوله، وأجاز صلى الله عليه وسلم شهادة الشاهد الواحد في قضية السَّلَب (11) ، ولم يطالب القاتل بشاهد آخر، واستحلفه، وهذه القصة [وروايتها في الصحيحين] صريحة في ذلك .. وقد صرح الأصحاب: أنه تُقبل شهادة الرجل الواحد من غير يمين عند الحاجة، وهو الذي نقله الخِرَقى [334 هجرية 945 م] في مختصره، فقال: وتِقبل شهادة الطبيب العدل في الموضحة (12) إذا لم يقدر على طبيبين، وكذلك البيطار في داء الدابة ..".
* وكما تجوز شهادة الرجل الواحد في غير الحدود .. وكما تجوز شهادة الرجال وحدهم في الحدود، تجوز عند البعض شهادة النساء وحدهن في الحدود .. وعن ذلك يقول ابن تيمية، فيما نقله ابن القيم:"وقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة المرأة الواحدة في الرضاع، وقد شهدت على فعل نفسها، ففي الصحيحين عن عقبة ابن الحارث:"أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أَمَةٌ سوداء، فقالت: قد أرضعتكما. فذكرتُ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأعرض عنى، قال: فتنحيتُ فذكرتُ ذلك له، قال: فكيف؟ وقد زعمتْ أنْ قد أرضعتكما!"."
وقد نص أحمد على ذلك في رواية بكر بن محمد عن أبيه، قال: في المرأة تشهد على مالا يحضره الرجال من إثبات استهلال الصبى (14) ، وفي الحمّام يدخله النساء، فتكون بينهن جراحات.
وقال إسحاق بن منصور: قلتُ لأحمد في شهادة الاستدلال:"تجوز شهادة امرأة واحدة في الحيض والعدة والسقط والحمّام، وكل مالا يطلع عليه إلا النساء".